خاص للمسرى
بدل رفو/غراتس – النمسا
من مدينة غراتس النمساوية، حقيبتي على ظهري وقلبي متعطش لكل جديد. منذ اللحظة الأولى التي غادرت فيها، شعرت بأن الرحلة ليست مجرد مسافة، بل عبور بين الزمن والحياة. الريح الباردة تحمل معي رائحة القهوة الصباحية من غراتس، ومعها ترنيمة الطبيعة في الطريق، أصوات الطيور، وحفيف الأعشاب البرية، التي تمتد على جانبي الطريق كأنها تهمس لي: قريبًا ستلتقي بجذورك في كوردستان.

مع كل خطوة، تزداد الجبال خضرة، تتعانق مع السماء الزرقاء، وتنبض الصخور والوديان برنين تاريخ يمتد آلاف السنين. أقترب من قرية الشيخ حسن، وأرى جبل الصوامع شامخًا، صامدًا، يحمل صوامعه الحجرية المحفورة في الجبل منذ ما قبل الميلاد. كل فجوة في الجبل، كل صخرة، كأنها تهمس لي بأسرار الأجداد، عن الصبر والإبداع والصمود، عن حياة عاشت على هذه الأرض منذ القدم.
أدخل الأزقة الضيقة للقرية، وأسمع أصوات الأطفال يركضون ويلعبون بين البيوت الترابية، أصوات ضحكاتهم تتماهى مع هدير الرياح في الأشجار. النساء يعجنّ الخبز في بيوت مفتوحة على الطريق، والروائح العطرة تمتزج بالتربة الدافئة والشمس التي تداعب وجوه البيوت. كل شيء حولي يروي قصة عن حاضر يمزج الماضي بالحياة اليومية.

أتذكر حين حدّثني الشاعر الراحل صديق شرو عن جيش الإسكندر المقدوني الذي مرّ من هنا، ووجد في القرية ملاذًا وراحة قبل مواصلة رحلته الى بابل. أتصور الجنود يسيرون ببطء، الريح تحمل الغبار، والأهالي يراقبونهم بصمت، وكأن القرية تعرف منذ آلاف السنين كيف تستضيف التاريخ قبل أن يترك أثره.
أتذكر أيضًا الشاعر خيري هه زار ، الذي أحب الشاعر رسول حمزاتوف، واستلهم من أعماله مثل بلدي وكيف احب خيري قريته
وأراد أن يوثقها في شعره بعنوان قريتي الشيخ حسن، لكنه ودّع الدنيا قبل أن يرى ثمرة جهده، فقد كان مشغولًا بحكايات بهلول، الشخصية الطيبة التي تجمع بين الحكمة والفكاهة.


