يشار بابان
كل الدلائل والمعطيات السياسية، ومعها قراءة الواقع الإداري بهدوء وتجرد، تشير إلى بقاء ريبوار طه في منصبه محافظًا لكركوك، لا بوصفه نتيجة توافق عابر أو صفقة مؤقتة، بل كنتيجة طبيعية لأداء اتسم بالحكمة والاتزان في واحدة من أعقد محافظات العراق وأكثرها حساسية.
كركوك ليست محافظة عادية، بل مرآة مكبرة لأزمات الدولة العراقية كلها: التعدد القومي، التنوع الديني، التراكم التاريخي للصراعات، والتدخلات السياسية المتشابكة. ومن ينجح في إدارتها بعدل، يثبت أنه رجل دولة قبل أن يكون مسؤولًا إداريًا.
لقد أدار ريبوار طه المحافظة بمنهج واضح: لا غالب ولا مغلوب، ولا مكوّن مفضل على آخر. تعامل مع العرب والكرد والتركمان، ومع المسلمين والمسيحيين، من منطلق المواطنة لا الانتماء، ومن منطلق القانون لا العاطفة. وهذا بحد ذاته إنجاز نادر في واقع اعتاد فيه الناس على المسؤول المنحاز، لا المسؤول العادل.
ما ميّز تجربته هو غياب لغة الاستفزاز، وحضور أخلاق المسؤول المتربي على احترام الناس قبل السلطة. لم يسعَ إلى تصدير الأزمات، ولم يوظف الخلافات لمكاسب سياسية، بل حاول – قدر الإمكان – أن يجعل من موقعه مظلة إدارية جامعة، لا منصة صراع.
إن الحكم بعدل في كركوك ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية شاقة، تتطلب ضبط النفس، وسعة الصدر، والقدرة على الاستماع للجميع دون أن تكون أسيرًا لأحد. وقد نجح ريبوار طه في اجتياز هذه المعادلة الصعبة، محافظًا على التوازن، ومقدمًا صورة مختلفة للمسؤول الذي يفهم أن المنصب تكليف لا تشريف.
لذلك، فإن بقاءه في منصبه لا يُقرأ بوصفه انتصار شخص، بل بوصفه انتصارًا لفكرة الإدارة المتزنة، ولخيار الدولة على حساب الفوضى، وللعدل على حساب المحاصصة. وهو رسالة مهمة مفادها أن من يحكم بإنصاف، يمكن أن يحظى بثقة المختلفين قبل المؤيدين.
في زمن ندرت فيه النماذج الهادئة، يثبت ريبوار طه أن الخُلق، والتربية، والعدل، ما زالت قادرة على فرض نفسها، حتى في أكثر البيئات تعقيدًا. وكركوك، التي أنهكتها الصراعات، لا تحتاج اليوم إلى مغامر جديد، بل إلى استمرار نهج أثبت أن التعايش ليس شعارًا… بل ممارسة.
2026/1/1

