لم تكن جلسة انتخاب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي مجرّد استحقاق إجرائي عابر، بقدر ما مثّلت اختبارًا حقيقيًا لتوازنات القوى داخل البرلمان، ولا سيما داخل البيت الكردي، وانعكاسًا مباشرًا لصراعات مؤجلة بين قوى سياسية عراقية كبرى، اختارت هذه المرة ساحة البرلمان لتصفية حساباتها.
فنتائج التصويت التي أفضت إلى إخفاق مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، شاخوان عبد الله، مقابل تقدّم مرشح تيار الموقف الكردي، ريبوار كريم، لم تكن مفاجِئة في أرقامها فحسب، بل في دلالاتها السياسية الأعمق، التي تتجاوز هوية الفائز والخاسر إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
تصويت خارج الحسابات التقليدية
لطالما عُدّ منصب النائب الثاني لرئيس البرلمان جزءًا من حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفق أعراف التوافق السياسي التي حكمت توزيع الرئاسات منذ عام 2003. غير أن ما جرى هذه المرة كسر هذا التقليد، وأظهر أن منطق الاستحقاق العددي لم يعد كافيًا لضمان تمرير المناصب، حتى للأحزاب الأكثر وزنًا داخل البرلمان.
فالحزب الذي يمتلك 27 مقعدًا، وجد نفسه عاجزًا عن حشد الأصوات اللازمة لمرشحه، في مقابل تيار ناشئ لا يتجاوز تمثيله خمسة مقاعد، ما يفتح الباب أمام سؤال جوهري: من يملك القرار الفعلي داخل البرلمان؟ الكتل الكبيرة أم شبكات التحالف العابر للهويات السياسية؟
ما وراء الخسارة: حسابات أبعد من المنصب
يمكن قراءة هذا التحوّل على أنه نتاج مباشر لتقاطع مصالح بين قوى متضرّرة من الحضور المتقدّم للحزب الديمقراطي الكردستاني خلال المرحلة الماضية، حيث التقت قوى سنية وشيعية وكردية عند هذه الجلسة لإعادة هندسة موازين القوى البرلمانية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى عن الصراع غير المعلن بين زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي ورئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني، على خلفية معركة رئاسة البرلمان السابقة، ثم الخلاف الأوسع المتعلق بمنصب رئاسة الجمهورية، الذي يتمسك الأكراد باعتباره من حصتهم السياسية غير القابلة للمساومة.
وبالتالي، فإن إخفاق مرشح الحزب الديمقراطي لا يُقرأ بوصفه خسارة تقنية، بل كرسالة سياسية مباشرة مفادها أن مرحلة الضمانات المسبقة قد انتهت، وأن أي استحقاق قادم سيكون رهينة لتفاهمات أكثر تعقيدًا.
تصعيد محسوب ورسائل متبادلة
التصريحات النارية التي صدرت عن قيادات في الحزب الديمقراطي، ولوّحت بالانسحاب من العملية السياسية، عكست حجم الصدمة، لكنها سرعان ما جرى احتواؤها بخطاب أكثر هدوءًا يدعو إلى جولة تصويت جديدة، مع التلويح بإعادة النظر في طبيعة التحالفات المستقبلية.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد، إذ إن الرسائل المتبادلة لا تتعلق بمنصب واحد، بل بمسار سياسي كامل قد يمتد لسنوات الدورة البرلمانية الأربع، ويؤثر مباشرة في ملفات أكثر حساسية، في مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية المقبل.
البعد القانوني.. عقدة إضافية
إلى جانب البعد السياسي، أُضيف عنصر قانوني لا يقل تعقيدًا، بعد فتح باب الترشيح مجددًا وقبول مرشح جديد، في خطوة اعتبرها بعض النواب مخالفة للإجراءات الدستورية، ما يفتح الباب أمام الطعن القضائي في حال خسارة المرشح المتقدم في الجولة الأولى.
وإذا ما انتقل الصراع من القبة البرلمانية إلى أروقة القضاء، فإن الأزمة ستأخذ بعدًا آخر، يعقّد المشهد ويؤجل حسمه، ويحوّل الخلاف السياسي إلى أزمة مؤسساتية مفتوحة.
إلى أين يتجه المشهد؟
حتى اللحظة، لا يبدو أن الأطراف المعنية معنية بالتصعيد إلى حد كسر قواعد اللعبة السياسية، غير أن استمرار منطق كسر الإرادات داخل البرلمان ينذر بمواجهة طويلة الأمد، لن تتوقف عند منصب النائب الثاني، بل قد تمتد إلى الاستحقاقات السيادية المقبلة.
وعليه، فإن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق أوسع لإعادة ترتيب التحالفات داخل البرلمان العراقي، حيث لم تعد الكتل الكبرى بمنأى عن المفاجآت، ولم يعد التوافق السياسي ضمانة أكيدة، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، يبقى أبرزها أن تكون هذه الجلسة مجرد بداية لصراع أعمق لم تتضح نهاياته بعد.
أحمد عطا
صحفي مصري وباحث مختص بالقضايا الإقليمية
عمل صحافياً ومنتجًا للأخبار مع عدد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية من بينها: راديو وتلفزيون الكويت، وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، شبكة الإعلام العراقي (مدير مكتب مصر)، راديو كندا الدولي، راديو المغرب

