العراق: دولة معلّقة بين الوحدة المتآكلة وسيناريوهات التفكك
قراءة في المستقبل على ضوء الانهيار البنيوي
منذ عام 2003، يعيش العراق حالة فريدة في تاريخ الدول الحديثة: دولة قائمة دستوريًا، لكنها فاقدة لمعنى الدولة في الممارسة. فالمشكلة لم تعد في شكل النظام السياسي فقط، بل في عجزه البنيوي عن إنتاج هوية وطنية جامعة أو احتكار القرار والسيادة. وهنا، يعود الحديث عن سيناريوهات التفكك، لا بوصفه مؤامرة جاهزة، بل نتيجة محتملة لمسار طويل من الفشل الداخلي والتدخل الخارجي.
دولة بلا مركز
العراق اليوم ليس دولة موحّدة بقدر ما هو مجموعة نظم متجاورة: مركز سياسي ضعيف تحكمه التوافقات والفيتوات المتبادلة، إقليم كردستان يتمتع باستقلال اقتصادي وأمني شبه كامل، محافظات تُدار فعليًا عبر شبكات نفوذ حزبية وعشائرية ومسلحة.
هذا الواقع يُذكّر بما حذّر منه برنارد لويس مبكرًا: حين تفقد الدولة قدرتها على الدمج، تعود الجماعات إلى هوياتها الأولى بحثًا عن الأمان والتمثيل.
لماذا لم ينهَر العراق رسميًا بعد؟
رغم كل الأزمات، لم يتفكك العراق إلى دول مستقلة لسببين رئيسيين:
1. غياب توافق دولي على التقسيم: القوى الكبرى تفضّل عراقًا ضعيفًا موحدًا على عراق متشظٍ يفتح أبواب فوضى إقليمية.
2. النفط والاقتصاد الريعي: وحدة السوق النفطية ما زالت تشكل رابطًا مصلحيًا بين المكونات، رغم الصراعات حول العائدات.
لكن هذه العوامل ليست ضمانات دائمة، بل أدوات تأجيل.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
السيناريو الأول:
استمرار الدولة الهشة (المرجّح على المدى القريب)
يبقى العراق موحدًا شكليًا، مع: تعمّق الفدرالية غير المتوازنة، و تآكل سلطة المركز، و تصاعد دور الفصائل المسلحة كبديل عن الدولة.
هذا السيناريو لا ينتج استقرارًا، بل إدارة أزمات مزمنة، ويجعل العراق ساحة صراع نفوذ إقليمي دائم.
السيناريو الثاني:
التقسيم الناعم غير المعلن
لا إعلان دول جديدة، لكن: الإقليم الكردي يتحول عمليًا إلى دولة، و الوسط والجنوب يُداران ككيان سياسي–أمني شيعي مرتبط بإيران، و المناطق السنية تبقى بلا مشروع سياسي جامع، بين الإقصاء والتهميش.و هذا النموذج يشبه ما طُرح سابقًا كحل، لكنه يحمل في داخله بذور صراع طويل حول الموارد والحدود الداخلية.
السيناريو الثالث:
تفكك صِدامي (الأقل احتمالًا لكنه الأخطر)
يحدث في حال: انهيار اقتصادي حاد، و صراع داخلي مسلح واسع، و انسحاب أو تغير مفاجئ في المظلة الدولية. هنا، قد يُعاد طرح خرائط التقسيم بوصفها «حلًا أخيرًا»، وتُفرض تسويات قسرية تحت عنوان منع الحرب الأهلية.
السيناريو الرابع:
إعادة بناء الدولة (الأضعف حاليًا)
يتطلب:
• تفكيك النظام الطائفي،
• حصر السلاح بيد الدولة،
• عقدًا اجتماعيًا جديدًا يقوم على المواطنة لا المحاصصة.
هذا السيناريو لا يحظى بدعم القوى النافذة داخليًا ولا خارجيًا، لكنه الوحيد القادر على إغلاق ملف التفكك نهائيًا.
العراق ليس مشروع تقسيم…
بل مشروع مُهمَل
العراق لا يتجه نحو التقسيم لأن خرائطه مصطنعة، بل لأنه تُرك دون دولة حقيقية. وكلما طال تأجيل الإصلاح، تحوّلت سيناريوهات التفكك من دراسات نظرية إلى وقائع محتملة. الخطر الأكبر ليس في إعلان نهاية العراق، بل في استمرار هذا الشكل المشوّه من الوحدة، الذي يستنزف المجتمع ويُفرغ الدولة من معناها، حتى يصبح التقسيم لاحقًا مجرد اعتراف رسمي بما حدث فعليًا.
العراق: نحو التفكك الصامت
حين تصبح الدولة عبئًا على مواطنيها
سيناريوهات المستقبل ومؤشرات الانهيار المبكر
لم يعد السؤال في العراق هو: هل سيتقسّم؟ بل: إلى متى يمكن تأجيل الانفجار؟ فالدولة العراقية، بصيغتها الراهنة، لم تعد إطارًا جامعًا، بل تحوّلت إلى ساحة صراع بين قوى تتقاسم السلطة دون أن تتحمّل مسؤولية الدولة. المحاصصة لم تعد خللًا عابرًا، بل نظام حكم كامل يُنتج العجز، ويكافئ الفشل، ويمنع أي إصلاح حقيقي.
سلطة بلا سيادة… ودولة بلا قرار
في العراق، لا تحتكر الدولة السلاح، ولا القرار الاقتصادي، ولا حتى تعريف المصلحة الوطنية. الفصائل المسلحة أصبحت لاعبًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، فيما تحوّلت الحكومة إلى وسيط بين مراكز قوى، لا إلى سلطة تنفيذية. هذا الواقع لا يمثّل «خصوصية عراقية»، بل حالة كلاسيكية لدولة فاشلة مؤجَّلة الانهيار.
الحديث الرسمي عن «وحدة العراق» بات أقرب إلى شعار دفاعي منه إلى مشروع سياسي. فالوحدة لا تُحفظ بالخطب، بل بدولة قانون، وهذه غائبة أو مُعطّلة عمدًا.
السيناريوهات الواقعية:
خيارات سيئة وأخرى أسوأ
1. الاستمرار في الانهيار المُدار (السيناريو الأقرب)
يبقى العراق موحدًا اسمًا، منقسمًا فعليًا: مركز ضعيف بلا أدوات، إقليم كردي يتصرّف كدولة مكتملة، جنوب غني بالنفط فقير في الخدمات، ومناطق مهمّشة بلا تمثيل حقيقي.
هذا السيناريو يخدم النخب الحاكمة لأنه يضمن استمرارها، لكنه يُفكك المجتمع ببطء.
2. التقسيم الناعم القسري
ليس بقرار شعبي، بل كأمر واقع: فدرالية تتحوّل إلى انفصال اقتصادي وأمني، و نزاعات داخلية على النفط والمياه، و حدود داخلية تتحوّل إلى خطوط تماس.
هذا ليس حلًا، بل إعادة إنتاج للصراع بصيغة أخطر.
3. الانفجار الكبير (سيناريو الكارثة)
قد يحدث إذا تزامن: انهيار اقتصادي حاد، صدام داخلي مسلح، وتغيّر في الموقف الدولي الداعم للاستقرار الهش.
عندها، سيُطرح التقسيم كـ«حل إنقاذ»، بينما يكون في الحقيقة تتويجًا للفشل.
4. إعادة التأسيس الوطني (السيناريو المغيَّب)
يتطلب مواجهة مباشرة مع: منظومة السلاح خارج الدولة، شبكات الفساد العابرة للطوائف، والنظام السياسي القائم على المحاصصة.
هذا السيناريو لا تريده القوى المهيمنة، لأنه يهدد وجودها.

