بعد سقوط النظام البائد اتفق الكورد ولا سيما الاتحاد الوطني الكردستاني مع القوى العربية الشيعية على تغيير صورة رئيس الجمهورية من طاغية متسلط يحتكر السلطة الى رئيس مواطن طبيعي متواضع يحترم الدستور ويجسد رمزية الدولة ووحدتها لا سطوتها.
ومع كثرة المرشحين لهذا المنصب السيادي يفتخر الاتحاد الوطني الكردستاني وبالتاكيد يشاركه هذا الافتخار شركاؤه من العرب الشيعة بان هذه المساعي قد اثمرت فعلا مقارنة بزمن بائد كان مجرد التفكير بالترشح بوجه صدام حسين جريمة عقوبتها القتل. اما اليوم فقد اصبح الترشح جزءا من هامش الحرية السياسية وحقا مشروعا لكل مواطن يرى في نفسه الشروط الدستورية والمؤهلات الوطنية.
غير ان الجانب المعيب في مسالة الترشح لا يكمن في كثرة المرشحين بحد ذاتها بل في التدني الفكري لدى بعض من يتعامل مع المنصب بوصفه تجربة عابرة او اضافة شكلية. فمن الادب السياسي والكبرياء الشخصي ان لا يعرض المرء نفسه لاية حالة انتخابية وهو يدرك مسبقا عدم قدرته لا على الفوز ولا حتى على الاقتراب منه باصوات ممكنة. وحين يكون التبرير بان الترشح مفيد للسيرة الذاتية فان ذلك لا يكشف فقط عن وضاعة الفهم السياسي بل عن وضاعة السيرة الذاتية ذاتها اذ ان الفشل في نيل المنصب السيادي يحسب في ميزان التقييم لا له.
وينسحب هذا المنطق على الشارع ايضا في توصيفه للمرشحين اذ ان الذاكرة العامة لا تكتفي بعبارة كان مرشحا لهذا المنصب بل غالبا ما تختزل التجربة بتسمية المرشح الفاشل وهو توصيف قاس لكنه يعكس حقيقة الوعي الجمعي تجاه من يسيء تقدير موقعه وقدرته.
ورغم ذلك تبقى كثرة المرشحين دليلا سياسيا مهما على ان رئاسة الجمهورية العراقية لم تعد واجهة شكلية او موقعا مغلقا بالخوف بل اصبحت ساحة تنافس مفتوحة ضمن الدستور وعاملا للتوازن وصوت تهدئة ومساحة جامعة بين المكونات.
لقد نجح هذا التفاهم في ترسيخ نموذج لرئيس يحسن الاصغاء قبل القرار ويقدم الحكمة على الانفعال والدولة على الشخص ويؤمن بان قوة المنصب تكمن في تواضعه لا في تغوله وهكذا بات الرئيس العراقي اليوم تعبيرا عن ارادة التعايش والشراكة لا عن منطق الغلبة والاقصاء وهو مكسب سياسي ودستوري يحسب لتلك اللحظة التاسيسية ولمن حافظ عليه.