قراءة سياساتية في تطورات حيّي الشيخ مقصود والأشرفية
كتب / مقال عباس عبد الرزاق

تشهد مدينة حلب، ولا سيما حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، تصعيدًا أمنيًا–سياسيًا يعكس أزمة أعمق تتجاوز الاشتباكات الميدانية المباشرة. فالتطورات الأخيرة، بما فيها بيان قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الداعي إلى النفير العام، والصمت الرسمي من جانب الحكومة السورية، وغياب الموقف الأمريكي العلني، تشير إلى انتقال الأزمة من إطار التهدئة الهشّة إلى اختبار بنيوي لطبيعة السلطة، وحدود القوة، وشكل الدولة السورية المقبلة.
تخلص هذه الورقة إلى أن خيار الحسم العسكري السريع يواجه عقبات ميدانية وسياسية كبيرة، وأن استمرار إدارة الأزمة بالقوة دون تسوية مكتوبة ينطوي على مخاطر جدية، أبرزها الانزلاق نحو صراع ديمغرافي–وجودي. وتوصي الورقة بضرورة الانتقال إلى مقاربة سياساتية شاملة تقوم على ضمانات أمنية وقانونية للسكان، وإشراك الوسطاء الدوليين في صياغة تفاهمات مستدامة، بدل الاكتفاء بإدارة الصراع.
خلفية وسياق عام
منذ عام 2016، خضعت مدينة حلب لترتيبات أمنية معقّدة، أفضت إلى إعادة بسط سيطرة الدولة السورية على معظم أحيائها، مع بقاء جيوب ذات خصوصية أمنية وإدارية، من بينها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية. وقد نشأت في هذه الأحياء تفاهمات غير مكتوبة، اعتمدت على سحب السلاح الثقيل، وتجنّب الاحتكاك المباشر، ووجود أجهزة أمن محلية ذات طابع مجتمعي. غير أن هذه التفاهمات، لافتقارها إلى إطار قانوني–سياسي واضح، ظلّت هشّة وقابلة للانهيار. ومع تصاعد التوترات في مناطق سورية أخرى خلال الأشهر الماضية (جرمانة، صحنايا، السويداء)، برز نمط متكرر يقوم على تدخل أمني محدود دون معالجة جذرية للأسباب السياسية والاجتماعية للصراع. هذا النمط مهّد، موضوعيًا، لما نشهده اليوم في حلب.
التطورات الأخيرة وتحول المشهد من التوتر إلى الاشتباك
اندلعت الاشتباكات الأخيرة في الشيخ مقصود والأشرفية في سياق عمليات أمنية هدفت، بحسب الرواية الرسمية، إلى بسط السيطرة الكاملة ومنع أي تهديد أمني محتمل. إلا أن تطور الأحداث كشف عن مقاومة محلية منظّمة، قوامها عناصر من الأمن الداخلي المنحدرين من الأحياء نفسها، ما صعّب عملية الحسم وأطال أمد الاشتباك.
بيان «قسد» كمنعطف سياسي
شكّل البيان الصادر عن قيادة قوات سوريا الديمقراطية نقطة تحوّل نوعية. فالبيان لم يكتفِ بتوصيف ما جرى، بل أعاد تعريف طبيعة الصراع، مستخدمًا خطابًا وجوديًا وحقوقيًا، ومعلنًا النفير العام، ومتهمًا الطرف الآخر بارتكاب جرائم حرب والتخطيط لتغيير ديمغرافي.
من منظور سياسات عامة، يمكن قراءة البيان بوصفه: محاولة لرفع كلفة الحسم العسكري و رسالة موجّهة إلى المجتمع الدولي لتدويل القضية.و إعلانًا ضمنيًا بفشل مسار التفاهمات السابقة.
دلالات الصمت الرسمي السوري
يمثّل الصمت الحكومي أحد أكثر عناصر المشهد إثارة للتساؤل. ففي الوقت الذي كانت فيه السلطات السورية تبادر سابقًا إلى تقديم روايات رسمية أو تحميل المسؤولية لـ«فصائل منفلتة»، جاء الصمت الحالي ليعكس حالة من الارتباك السياسي. يمكن تفسير هذا الصمت بثلاثة اعتبارات رئيسية:
-
غياب الحسم السريع: فالتعثر الميداني يجعل أي خطاب رسمي عرضة للتكذيب.
-
الكلفة السياسية: أي اعتراف بالأخطاء قد يفتح الباب لمطالب دولية بالمساءلة.
-
انتظار مخرجات التفاوض غير المعلن: ما يشير إلى وجود قنوات خلفية لمحاولة احتواء الأزمة.
الدور الدولي – إدارة الأزمة لا حلّها
رغم غياب الموقف الأمريكي العلني، لا يمكن توصيف الدور الدولي بالانسحاب. فالسياسة الأمريكية في النزاعات المركّبة تميل إلى: تجنّب التدخل العلني المبكر. استخدام قنوات دبلوماسية غير معلنة.
التدخل فقط عند تجاوز خطوط حمراء (مجازر موثقة، تهجير واسع). هذا النهج يجعل الصمت الدولي عامل ضغط غير مباشر، لكنه في الوقت ذاته يترك هامشًا خطيرًا لتفاقم الأوضاع ميدانيًا قبل أي تحرك فعلي.
خطر الانزلاق الديمغرافي
أخطر ما في المشهد الحالي هو احتمال تحوّل الصراع إلى مسار ديمغرافي–وجودي. فالسوابق القريبة في عفرين (بعد 2018)، وفي الساحل السوري، وفي بعض مناطق الجنوب، أظهرت أن المدنيين غير المسلحين كانوا غالبًا الضحية الأساسية، بينما نجحت الأطراف المسلحة في إعادة التموضع أو الإفلات من المحاسبة.
حتى الآن، لم تُسجَّل عمليات تهجير جماعي أو جرائم موثقة على أساس الهوية في الشيخ مقصود والأشرفية، غير أن: ( الخطاب المستخدم، وغياب الضمانات القانونية، واستمرار الاشتباكات،) كلها عوامل تجعل هذا الخطر كامنًا وقابلًا للتحقق.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء هش (المرجّح – 60%)
استمرار اشتباكات محدودة. تدخل وساطات غير معلنة. إعادة إنتاج تفاهم أمني مؤقت دون معالجة جذرية.
السيناريو الثاني: تصعيد خطير (20%)
( حادث دموي كبير. تدخل دولي اضطراري. لتعقيد المشهد وتوسّع رقعة الأزمة. )
السيناريو الثالث: حسم عسكري شامل (20%)كلفة سياسية وإنسانية مرتفعة. استقرار أمني مؤقت قابل للانفجار لاحقًا.
خيارات السياسات والتوصيات
على الحكومة السورية:إعلان أهداف واضحة ومحددة لأي عملية أمنية. تقديم ضمانات مكتوبة لحماية المدنيين. الانتقال من إدارة الأزمة بالقوة إلى تسوية سياسية–أمنية.
بۆعلى قوات سوريا الديمقراطية: خفض الخطاب التعبوي لصالح مسار تفاوضي منضبط. الفصل بين الدفاع المحلي المشروع والتدويل المفرط للصراع.
على المجتمع الدولي:الخروج من سياسة الصمت المدروس إلى دور وقائي.

