الكاتب: عباس عبدالرزاق
تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تداخلًا معقّدًا بين التحولات السياسية والأمنية، ما أعاد إلى الواجهة نقاشات دولية حول احتمالات عدم الاستقرار طويل الأمد. في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي حذّر فيها من مخاطر انهيار شامل قد يقود إلى صراع أهلي واسع النطاق، وربما إلى سيناريوهات تقسيم de facto. وقد استندت هذه التصريحات، وفق ما أُعلن، إلى مخاوف تتعلق بسلامة الترتيبات الأمنية داخل بنية السلطة الانتقالية، ولا سيما ما أُشير إليه من إخفاق بعض الشخصيات في اجتياز إجراءات التدقيق الأمني التي تشرف عليها مؤسسات أمريكية مختصة، ووجود شبهات تتعلق بملفات مرتبطة بالإرهاب.
تكتسب هذه التصريحات دلالتها الخاصة من توقيتها، إذ صدرت عقب سلسلة لقاءات سياسية رفيعة المستوى، شملت اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، ولقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره الأمريكي، إلى جانب خطوات غربية تمثلت في رفع جزئي للعقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على سوريا. هذا التزامن يفتح المجال أمام قراءتين تحليليتين: الأولى ترى في هذه التصريحات انعكاسًا لمعلومات استخباراتية تشير إلى هشاشة المرحلة الانتقالية ومحدودية قدرتها على احتواء المخاطر الأمنية، فيما تعتبر القراءة الثانية أن هذه المواقف تندرج ضمن أدوات الضغط السياسي الهادفة إلى دفع الإدارة السورية إلى الالتزام بمعايير محددة تتعلق بمكافحة الإرهاب، وتنظيم ملف المقاتلين الأجانب، وضمان حماية الأقليات، وإعادة ضبط الأداء الأمني والعسكري.
وتتغذى هذه القراءات المتباينة من تطورات ميدانية وإعلامية متزامنة، من بينها الاشتباكات التي سُجلت مؤخرًا بين قوات سوريا الديمقراطية وفصائل مرتبطة بالسلطة الانتقالية، إضافة إلى الجدل الذي أثاره تسجيل مصوّر للسفير الأمريكي السابق روبرت فورد، والذي تطرق إلى مسارات إعادة تأهيل بعض القيادات السورية على المستوى السياسي. كما يندرج في هذا السياق الإعلان الإسرائيلي عن استعادة آلاف الوثائق والمقتنيات المرتبطة بالجاسوس إيلي كوهين من مواقع داخل سوريا، وهو ما يعكس استمرار التحديات الأمنية والاستخباراتية التي تواجه الدولة السورية في طورها الانتقالي.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن سوريا تمر بمرحلة انتقالية تتسم بدرجة عالية من الحساسية البنيوية، حيث يتقاطع فيها العامل الداخلي مع الضغوط والتدخلات الخارجية. ويُظهر التحليل المقارن لتجارب ما بعد النزاعات أن فرص الاستقرار المستدام ترتبط بمدى قدرة الفاعلين المحليين على بناء توافقات وطنية تقلل من الاعتماد على الحماية الخارجية، وتحدّ من توظيف الانقسامات الهوياتية والطائفية في الصراع السياسي.
وعليه، فإن مسار الاستقرار في سوريا لا يتوقف على الدعم الدولي فحسب، بل يتطلب مقاربات داخلية شاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لشرعية سياسية وأمنية قائمة على الشمول والتوازن. وفي هذا الإطار، فإن أي تعثر في إدارة المرحلة الانتقالية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط عدم الاستقرار السابقة، في وقت تشير فيه المؤشرات الاجتماعية إلى وجود تطلعات شعبية حذرة نحو تحسين تدريجي في الأوضاع العامة

