كتابة د. عدالت عبد الله
ترجمة : نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
الجزء الثاني
سابعاً: التفسيرالإيجابي والواقعي للحروب ومشاهدة العنف والصراعات الدموية: يُعتبر العنف أحيانًا، وفي بعض الظروف، ضروريًا ومشروعًا، كما أشار بعض المفكرين مثل سان أوغسطين وتوما الأكويني، سواء من خلال فكرة القوة المتناغمة، أو تحقيق السلام عبر القوة، كما يوجد في بعض النظريات السياسية والاجتماعية. في النهاية، هناك حقيقة عامة مفادها أن الفكر والإرادة الساعية للسلام، والجهود الداخلية والدولية لحماية السلام، تجعل من عملية تحقيق الاستقرار والهدوء أكثر صعوبة.
هذا التفسير والتناول للعنف والحروب لا يقتصر على نشاط معرفي أو فكري فقط، بل يشكل جزءًا من المنهج الفلسفي لقسم واضح من الفلاسفة المشهورين في التأريخ ، خصوصًا في الفلسفة الغربية.
هذه الفلسفة، التي بدأت في مرحلة اليونان القديمة (القرن السادس قبل الميلاد)، واستمرت حتى العصور الوسطى وبعدها أتت الفلسفة الحديثة ومن ثم الفلسفة المعاصرة ، تركت أثراً كبيراً على مسار التأريخ وأحداثهِ ، وعلى الحضارة الإنسانية بشكل عام.
أخذت الفلسفة الغربية، عبر سيطرة الأفكار الأوروبية من جهة، والسيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للغرب نفسه بصورة عامة من جهة أخرى، تصبح تراثاً حياً وفاعلاً في منهج التفكير ومنظري السياسة والأنظمة السياسية في العالم، خصوصًا فيما يتعلق بالتعامل مع ثنائية الحرب والسلام، ونُظمت عبر الرؤية اللاهوتية والدينية حين تتشابك عناصر الدين والسلطة، وتُختبر في الواقع، فتتولد الصراعات وعدم الانسجام.
الحرب ومقاييس مبرراتها
على سبيل المثال، عند اليونانيين القدماء،التي تعتبر أرضية وموطن الفلاسفة الكبار ، كانت الحرب والتي تسمى ب(بوليموس) تحمل أهدافًا أوسع من مجرد المفهوم العدلي التي نراها للحرب، بعض معاني الحرب عند اليونانيين تجسدت في رموز مثل : الشجاعة، الكرامة ، البطولة والمجد وحتى أعتباره واجب وضرورة للقضاء على الهمجيين والبرابرة وجميع من لايتكلمون باللغة اليونانية وليسوا أصحاباً للعقل والفلسفة والقانون المدينة والديمقراطية الأسينية.
أكثر من ذلك، كانت إحدى مبادىء اليونانيون هو أنهم يرون في أغلب الأحيان أن كون الشخص محاربًا هو جزء من هويته، مثل فلسفة هيراقليطس (535-470 ق.م) التي اعتبرت الحرب أماً لجميع الأشياء ومبدأًعالمياً وليس مجرد حدث عسكري عارض، ولهذا كانت الحرب في تلك الحضارة وفي تراثهم الفلسفي ذات معنىً ودلالة ً إستثنائيةً كبيرةً أطلقت عليها.
في معظم الديانات السماوية والأرضية على نفس الشاكلة ، توجد عباراتُ و مفاهيم تلعب دورًا كبيراً في تحديد مصير تعايش الشعوب والسلام والاستقرار، بل وأصبحوا سبباً لنوع من تهدئة التصادمات الدموية وعمليات التطبيع والأشكال المختلفة للعنف، مثل مبادىء تصنيف الآخرين على أنهم كفار، مرتدون، بلا دين، زندقة، أو هرطقييين أو عبدة أصنام ومنافقون……إلخ ، خصوصًا في العصور التي سيطر فيها الدين على مؤسسات السلطة، مستخدمًا الرسائل الدينية والخطابات الهادفة للسلام والسلطة لتشكيل أيديولوجيات وعمليات فتح الدول والحروب الدينية، كمانرى في تجربة مرحلتي سلطة الخلافتين الراشدية والأموية وفي الوجه الدموي للفتوحات الإسلامية (في القرنين السابع والثامن الميلادي) وكذلك في الهجمات والحروب القاسية التي قادتها الحملات الصليبية (1096-1291)، التي خلقها المسيحيين اللاتينيين والكاثوليكيين الأوروبيين ناهيك عن الحديث عن الحروب والحملات الدموية في التأريخ المعاصر والتي حدثت وتحدث تحت أسماء الجهاد والشريعة والدولة الدينية ، والتي محت السلام والإطمئنان في أكثر من دولة وقارةٍ في العالم وكوردستان كانت دائماً إحدى هذه الضحايا.
الحرب والسلام ، الدين والفلسفة
في نفس السياق على سبيل المثال، عندما يناقش لاهوتي مثل توما الأكويني، مفهوم الحرب العادلة تحت تأثير الفلسفة الرومانية واليونانية، وبالأخص فكر الفيلسوف الروماني سيسيرو (106-43 ق.م)، الذي قدم حجة أخلاقية وسياسية للحرب تركز على حماية الناس / المجتمع.باللجوء الى العنف في سبيل الرد على الأعداء و هذا التفسير الفلسفي للحرب لا يظهر عند شيشرون فقط بل يظهر أيضًا ولكن مع بعض الشروط في أفكار أفلاطون (427-347 ق.م).
الحرب من وجهة نظر أفلاطون وأرسطو
على الرغم من أن أفلاطون ينتقد الحرب وله رؤية نقدية حول الحرب ، إلا أنه يرى أن هناك دافعًا فطريًا (غريزيًا) لدى الإنسان أحيانًا، وقد يصبح ضروريًا في ظروف معينة، لكن هناك ملخصاً أخلاقياً ضرورياً لتوجيه الحرب بهدف تحقيق سلام دائم.
أما أرسطو (384-322 ق.م)، فيرى أن أسباب الحروب تنبع من عاملين: الأول هوفكرة تسلط نزاع داخلي نفسي في داخل الإنسان ، والثاني هو البيئة الاجتماعية المفروضة في تربية النزاعات والحروب ،من جهة أخرى يرى أرسطو أن سيادة نظام سياسي سلمي يتطلب مشاركة المواطنين في هذا النظام ، لأنها تضمن استمرارية النظام،بمعنى إن هذا الفيلسوف اليوناني يرى من وجهة نظره إن الحرب والسلام مرتبطين بالعدالة والمشاركة السياسية،وبالتحديد بمشاركة المواطنين في الحياة السياسة وعدا ذلك تصبح الحاجة للصراع والعنف أحيانًا ضرورية للحفاظ على الاستقرار.
أبسط النتائج في نظرنا لهذه الرؤية و المخرجات العملية لهذه النظرية الفلسفية هي أنها تجعل الحروب والعنف قدراً منتهياً لجميع الدول والمجتمعات التي يكون نظامها السياسي غير عادل وغير ديمقراطي والمواطنون فيها مهمشون وليس لهم فيها أي دور ،وهذه فرضية تمثل في الواقع حقيقة بارزة وتصويراً واضحاً لظروف العشرات من الدول في عالمنا الحالي المخيف والتي تمثل تحدياتٍ كبيرةٍ لإستقرار نظام حكم الكورد نفسه والدول التي انقسم عليها الكورد من دون أن يثبتوا له حق المواطنة الكاملة.
توماس هوبز ومنطق الحفاظ على السلام والإستقرار
وفقًا لهوبز (1588-1679م)، الشغف لتوفير السلام والاستقرار الحقيقي غالبًا يجعل السلام نوعاً من الوهم يربط هذا الفيلسوف الإنجليزي الحرب بغريزة البقاء والحالة الطبيعية ، ففي وجهة نظره الحالة الطبيعية عبارة عن حرب مستمرٍ وليس السلام ،بل يعتبره حرب الجميع على الجميع لأن هذا مرتبط بالطبيعة البشرية ، في وجهة نظره أن مايحرك الإنسان الطبيعي عبارة عن حوافز الحب والرغبة والطموح والإنتصار على الآخرين ،ولتصويرهذه الحالة الطبيعية لديه مقولة مشهورة حيث يقول:”الإنسان ذئب لأخيه الإنسان “وهي عبارة أخذها من الكاتب الروماني سينيكا.
تتلخص نظرية هوبز لوضع حدود للحروب والطمع ومخاوف البشر تجاه سلام الآخرين وتجاه السلام والتعايش في أن يتواجد عقدُ إجتماعيُ بينهم ويتألف جوهر هذا العقد من التفاوض حول سلطة مطلقة تحمي كلُ منهم من وحشية الآخر وتثبت السلام والإستقرار .
وفي وجهة نظرنا ، إن فحوى هذه النظرية الهوبزية للحرب والسلام تتلخص في تغير الدولة الى تنينٍ كبيرِ بكل وضوح ، الى سلطة ديمقراطية مطلقة ، بل الأكثر من ذلك فتح يد الفئة السياسية الحاكمة لتحقيق السلام والإستقرار بسلطة القوة وعن طريق العنف ،وهذا في حد ذاته من منظورنا يعتبر تخريب آخر لمبادىء السلام وإقرار ظروفِ غير مستقرة وفرض سلامِ مزيفِ والذي لن يدوم بالتأكيد وكذلك إينما طبق على وجه الأرض فإنه سيحرض المجتمعات والدول ضد بعضها ، بالضبط مثل واقع الظروف غير المستقرة والمليئة بالصراعات لجزء بارزِ من دول العالم الثالث ومنطقة الشرق الأوسط والحروب الأهلية للدول البوليسية والتوتاليتارية والغير ديمقراطية في الدنيا ،والتي للأسف مستمرون في نهجهم لحدِ يومِنا هذا ،ويعتبر الكورد أحد الأقوام المضطهدة والتي كانت ضحية هذا النوع من الدول التوتاليتارية والهوبزية ولم تتحرر لحد الآن.
الحرب كضرورة للدولة
أما عن هيجل (1770-1831م) فيرى في نظرياته السياسية و الفلسفية أن حلم السلام الذي حلم به الفلاسفة والإصلاحيين السابقين له والمعاصرين له ماهو الإمجرد حلمِ غير واقعي .
يرى هيجل بأن الحروب موجودةُ في الواقع وإن كل شيءٍ واقعيِ هو معقولُ أيضاً ، وبنفس هذا المعنى يؤكد إن على الفيلسوف أن لايقفز على واقعه وأن لا يتبع الخيال ، لأن الحروب في أحدِ أوجُهِها جزءُ من الطبيعة البشرية وإحتياج من إحتياجات الدولة ، وفي وجهه الآخر دليلُ على إنهُ ليسَ هناكَ شيءُ في الواقع بإسم السلام الدائمي .
يتضح لنا من وجهة النظر الهيجلية هذه بأنه عند هذا الفيلسوف أيضاً تصطدم إرادة السلام بإرادَةٍ طبيعيةٍ ومفروضَةِ الا وهيَ إرادة الحرب والعنف .
إن هذه الحقيقة من وجهة نظرنا تؤكد في جزءٍ من تراث الفكر الفلسفي والديني في النظريات السياسية و الإجتماعية ولحد يومنا هذا يعمل لها البحوث والتنظيرات ،لأن العنف والحروب والإبادة الجماعية مستمرة بصورة ٍ فعليةِ في جميع أنحاء العالم وبأشكالٍ مختلِفة ، وتعتبر الأوضاع والملفات الغيرمعالجة بمثابةِ مشاريعٍ مشؤمَةٍ للعديد من الحروب الدموية الأخرى والتي من الممكن حدوثها عاجلاً أم آجلاً في أوقاتٍ وأماكِنَ مختَلِفَةِ على وجه هذه الكرة الأرضية.
ماركس والعنف والسلام

