عباس عبدالرزاق
لا تأتي بعض الخسارات بوصفها حدثًا عاطفيًا فحسب، بل كصدمة معرفية تُربك مسار التفكير نفسه. هكذا كان وقع رحيل الكاتب والمفكّر خَلات عمر، لا لأنه غادر الحياة فقط، بل لأنه غادرها في اللحظة التي كان فيها نصّه مفتوحًا على احتمالات جديدة، وحواره مع القارئ في ذروته.
كنتُ منشغلاً بقراءة سلسلة من مقالاته المنشورة في حسابه الشخصي تحت عنوان «أحدث كتاباتي»، وهي سلسلة لا تُقرأ بوصفها نصوصًا منفصلة، بل كمشروع تفكير متواصل، يقوم على التفكيك، وإعادة الوصل، وامتحان المفاهيم السائدة بلا مجاملة. في هذه السلسلة، بدا خَلات عمر كاتبًا لا يطمئن إلى النتائج، ولا يثق بالحلول الجاهزة، بل يصرّ على إبقاء الأسئلة حيّة، حتى لو كانت مؤلمة.
شدّتني على نحو خاص قراءاته المرتبطة باقتراب العالم من مآلات كبرى، عبّر عنها مجازًا بنهاية الحرب العالمية الثالثة، لا كحرب تقليدية، بل كتحوّل شامل في بنية العقل السياسي، وفي علاقة الإنسان بالعنف، والدولة، والمعنى. كان يكتب من موقع الشاهد لا المروّج، ومن زاوية التحليل لا التهويل، وهو ما منح نصوصه طاقة مختلفة، تجمع بين الصرامة العقلية والحسّ الوجودي القَلِق.
ومع تقدّم القراءة، كان الإحساس بالدهشة يتزايد: دهشة من غزارة الإنتاج، ومن اتساع المشاريع الفكرية التي يعمل عليها في آنٍ واحد. من «مشروع أسلوب الحياة»، إلى «مشروع التفكير الجديد»، مرورًا بنصوص تحمل عناوين دالّة مثل «التجارة مع الأمل» و«الصغير العظيم»، وصولاً إلى مئات المقالات التي بدت كسلاسل زمنية تعكس قلق العصر وتصدّعاته. لم تكن هذه النصوص محاولات تنظير معزولة، بل محاولات لفهم الإنسان وهو يدور بين السماء والهاوية، بين المعنى والدوران.
يتجلّى هذا المسار بوضوح في مقاله اللافت «كذبة العلاج… أم عرض بلا مضمون؟» ضمن كتاب «العقل والدولة»، حيث تتقاطع اللغة التحليلية مع الحسّ الشعري، ويتحوّل النقد السياسي إلى مساءلة أخلاقية وفكرية عميقة. في هذا النص، كما في غيره، يستدعي خَلات عمر إرث الشعر والفكر الكردي، من وفائي وأحمد مختار جاف إلى بيرەميرد وهيمين، لا بوصفهم رموزًا تاريخية، بل كمخزون قيمي وجمالي، يُعيد من خلاله التفكير في العلاقة بين العقل، واللغة، والسلطة.
غير أن ما يترك الأثر الأعمق في تجربة خَلات عمر ليس التحليل وحده، بل تلك اللحظات التي ينكسر فيها النص إلى شعر، ويعترف بعجز اللغة عن احتواء ما في الداخل. ففي أحد مقاطعه الشعرية، يكتب عن الكتابة التي تُكسِّر الكلمات وتمزّق الصفحات، وعن لغةٍ شعرية تسكن الخيال لكنها تأبى أن تأتي «بطرف القلم». هنا، لا يعود النص أداة شرح، بل يتحوّل إلى شهادة على حدود التعبير نفسها.
وفي قلب مشاريعه المعرفية، تظهر نبرة أكثر قسوة وصدقًا، حين يصرّح بأن ما في الرأس ليس سوى «تجارة الحزن»، وما في القلب سوى «الاستسلام والجفاء»، بلا دواء. ليست هذه سوداوية مجانية، بل خلاصة تجربة فكرية ترى العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.
رحل خَلات عمر بينما كان القارئ يستعد للحوار معه، للمساءلة، للاختلاف وربما للاتفاق. رحل قبل أن تُستكمل الأسئلة التي فتحها، وقبل أن تُختبر الأفكار التي زرعها. لذلك، فإن غيابه لا يُختزل في فقدان كاتب، بل في انقطاع مسار تفكير كان يمكن له أن يذهب أبعد.
إن استذكار خَلات عمر اليوم ليس فعل حنين، بل مسؤولية معرفية: مسؤولية مواصلة الأسئلة التي تركها معلّقة، وقراءة نصوصه لا بوصفها آثارًا مكتملة، بل كبدايات لم تُمنح زمنها الكافي. لقد رحل بوصفه سؤالًا مفتوحًا، وسيبقى كذلك ما دمنا نقرأه بعقلٍ يقظ، وقلقٍ صادق.