عباس عبد الرزاق
قراءة تحليلية في السياق الإنساني والقانوني
تشهد مدينة كوباني ومناطق واسعة من غرب كردستان (روج آفا) تدهورًا إنسانيًا غير مسبوق نتيجة حصار عسكري خانق تزامن مع ظروف مناخية قاسية تُعد الأشد منذ عقود. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأوضاع الإنسانية الراهنة في كوباني وروج آفا استنادًا إلى التقارير الميدانية والتغطيات الإعلامية، ولا سيما المعلومات المنقولة عن الإعلامي محمد رؤوف، إضافة إلى بيانات منظمات إنسانية وحقوقية. تناقش الورقة تداعيات الحصار على الأمن الغذائي والصحي والبنى التحتية، وتقيّم هذه الممارسات في ضوء القانون الدولي الإنساني، مع تقديم استنتاجات وتوصيات تتعلق بضرورة التدخل الإنساني الدولي العاجل.
تُعدّ الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحصار العسكري من أخطر أنماط النزاعات المعاصرة، لما تحمله من آثار مباشرة على المدنيين خارج منطق المواجهة العسكرية. في هذا السياق، برزت مدينة كوباني ومناطق روج آفا بوصفها نموذجًا حيًا لتقاطع العنف السياسي مع الانهيار الإنساني، حيث يواجه السكان حصارًا مشددًا ترافق مع انقطاع الخدمات الأساسية، ونقص حاد في الغذاء والدواء، وشتاء قارس فاقم هشاشة الواقع المعيشي.
تكتسب هذه الدراسة أهميتها من راهنية الحدث ومن اعتمادها على شهادات ميدانية موثوقة وتغطيات إعلامية مباشرة، من بينها ما نقله الإعلامي محمد رؤوف، والتي تعكس صورة دقيقة لمعاناة المدنيين تحت الحصار.
السياق العام للحصار وتطوره
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الحصار المفروض على كوباني لم يُعلن رسميًا كإجراء قانوني من قبل السلطات السورية، إلا أن الواقع العملي يكشف عن منع فعلي لدخول المواد الأساسية عبر الطرق الرئيسية، الأمر الذي أدى إلى: تعطّل سلاسل الإمداد الغذائي والدوائي. شلل شبه كامل في حركة المدنيين.
عزل المدينة عن محيطها الجغرافي والإنساني.
وتؤكد التغطيات الميدانية أن الحصار ترافق مع استخدام أدوات ضغط غير مباشرة، مثل قطع الكهرباء والمياه والاتصالات، وهو ما يحوّل الحصار من إجراء عسكري إلى أداة عقاب جماعي.
التداعيات الإنسانية للحصار
-
الأمن الغذائي
تشهد كوباني نقصًا حادًا في المواد الغذائية الأساسية، مع ارتفاع كبير في الأسعار ونفاد المخزون المحلي. وتشير التقارير إلى أن آلاف العائلات باتت تعتمد على وجبات محدودة الكمية والقيمة الغذائية، ما يهدد بحدوث سوء تغذية واسع النطاق، خاصة بين الأطفال.
-
الوضع الصحي
يعاني القطاع الصحي من انهيار شبه كامل نتيجة:
نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية. عدم قدرة المشافي والمراكز الصحية على استقبال الحالات الطارئة. صعوبة وصول الفرق الطبية
والمساعدات الإنسانية. وتؤكد المعلومات الميدانية أن الأمراض المرتبطة بالبرد وسوء التغذية بدأت بالانتشار، في ظل غياب الوقود اللازم للتدفئة.
-
البنية التحتية والخدمات
أدى انقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات إلى:
شلل الحياة اليومية.
تعطيل المدارس والمؤسسات الخدمية.
عزل السكان إعلاميًا، ما يحدّ من قدرة المجتمع الدولي على متابعة حجم الكارثة بدقة.
أثر الشتاء القارس في تعميق الأزمة
تزامن الحصار مع أقسى موجة برد تشهدها المنطقة منذ أكثر من خمسين عامًا، ما ضاعف من المخاطر الإنسانية. فالحرمان من الوقود ووسائل التدفئة حول الشتاء إلى عامل قاتل، خاصة للفئات الأكثر ضعفًا (الأطفال، كبار السن، والمرضى).
في هذا السياق، لا يمكن فصل العامل المناخي عن البنية السياسية للحصار، إذ يصبح الطقس جزءًا من منظومة الضغط غير المباشر على المدنيين.
التقييم في ضوء القانون الدولي الإنساني
وفق اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني:
يُحظر استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب. يُمنع فرض حصار يؤدي إلى حرمان المدنيين من المواد الضرورية للبقاء. يجب ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
انطلاقًا من ذلك، يمكن توصيف الحصار المفروض على كوباني – وفق المعطيات المتوفرة – باعتباره انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبت تعمّد استخدامه لإخضاع السكان المدنيين.
الاستجابة الإنسانية والتضامن الإقليمي
في مقابل هذا الواقع، برزت مبادرات تضامن إنساني، لا سيما من إقليم كردستان العراق، حيث أُطلقت حملات لجمع التبرعات وإرسال المساعدات الغذائية والطبية. غير أن هذه الجهود تصطدم بعقبات سياسية وأمنية تمنع وصولها المنتظم إلى المناطق المحاصرة، ما يحدّ من فعاليتها رغم أهميتها الرمزية والإنسانية.
الخاتمة والاستنتاجات
تُظهر هذه الدراسة أن الأزمة الإنسانية في كوباني وروج آفا ليست نتيجة ظرف طارئ، بل هي نتاج حصار ممنهج تداخل فيه السياسي بالعسكري والإنساني بالمناخي. إن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة إنسانية واسعة النطاق، تتطلب:
-
فتح ممرات إنسانية آمنة وفورية.
-
ممارسة ضغط دولي فعّال لرفع الحصار.
-
توثيق الانتهاكات تمهيدًا للمساءلة القانونية.

