عباس عبدالرزاق
قراءة تحليلية في مآلات المشهد السوري
تشهد منطقة شرق الفرات تحولات متسارعة تعكس حجم التعقيد الجيوسياسي الذي يلف هذا الجزء الحيوي من سوريا. فالتطورات الجارية لا يمكن قراءتها بمعزل عن شبكة المصالح الدولية والإقليمية المتداخلة، ولا عن المشاريع المؤجلة التي تعود اليوم إلى الواجهة بصيغ جديدة وأدوات مختلفة.
مشروع غير معلن وخطوات بطيئة
المشهد الحالي لا يوحي بوجود خطة واضحة المعالم، بقدر ما يكشف عن مشروع كبير غير مُعلن، يجري تنفيذه بخطوات بطيئة ومتقطعة، تتخللها حالة من الفوضى المقصودة. هذا النمط من التقدم المرحلي يوحي بأن ما يجري ليس استجابة آنية للتطورات الميدانية، بل جزء من مسار طويل الأمد، قد تُنجز فيه خطوة كل عدة سنوات، بما يضمن عدم حدوث صدامات كبرى غير محسوبة.
دمشق وحدود استعادة السيطرة
رغم الخطاب الرسمي عن استعادة السيادة، تبدو قدرة الحكومة السورية في دمشق على فرض سيطرة كاملة على شرق الفرات محدودة في المدى المنظور. فالمنطقة لا تزال خاضعة لتوازنات دولية، أبرزها الوجود الأمريكي المباشر، والدور الروسي غير الحاسم، إلى جانب الحسابات التركية والإيرانية. وعليه، فإن أي عودة للدولة السورية – إن حصلت – ستكون جزئية، تفاوضية، ومشروطة، وليست نتيجة حسم عسكري شامل.
«قسد» بين الدور الوظيفي وإعادة الهيكلة
لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته قوات سوريا الديمقراطية في القضاء على تنظيم داعش بدعم من التحالف الدولي. إلا أن التحول اللافت يتمثل في طلب الولايات المتحدة من “قسد” الانسحاب من بعض المناطق، ما يثير تساؤلات جدية حول إعادة توظيف ورقة داعش في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، شهدت “قسد” إعادة هيكلة تدريجية، انتقلت فيها من إطار جامع لمكونات المنطقة (عرب، سريان، آشوريين) إلى بنية أكثر تمركزًا حول الهوية الكردية وفي مناطق ذات غالبية كردية، وهو تحول لا يمكن فصله عن مسار تدويل القضية الكردية.
تدويل الحالة الكردية
أحد أخطر التحولات يتمثل في إخراج المسألة الكردية من إطارها الوطني السوري إلى فضاء إقليمي ودولي. دخول شخصيات وازنة مثل مسعود بارزاني على خط الوساطة، وتدخل دول متعددة في الحوار بين “قسد” والحكومات السورية المؤقتة، يعكس انتقال الملف إلى مستوى يتجاوز الداخل السوري.
هذا التدويل لا يعني بالضرورة حلولًا قريبة، بل قد يكون تمهيدًا لإعادة رسم الأدوار والحدود السياسية ببطء، تحت عناوين “الحكم الذاتي” أو “اللامركزية الموسعة”.
داعش الفزاعة المتجددة
عودة الحديث عن تنظيم داعش ليست تفصيلًا عابرًا. فالتنظيم، الذي هُزم عسكريًا، لم يُنهَ سياسيًا أو أيديولوجيًا. إعادة تنشيطه – ولو جزئيًا – قد تُستخدم كورقة ضغط لإعادة ضبط التوازنات، وتبرير استمرار الوجود العسكري الأجنبي، ومنع أي حسم سيادي نهائي لصالح دمشق.
نحو كونفدرالية كردية؟
في المدى البعيد، لا يمكن استبعاد سيناريو التمهيد التدريجي لشكل من الكونفدرالية الكردية التي تربط أكراد سوريا والعراق وتركيا وإيران. هذا السيناريو، إن طُرح رسميًا، سيُعد من أخطر المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، لما يحمله من تداعيات مباشرة على وحدة الدول القائمة واستقرارها.
خلاصة
شرق الفرات ليس ساحة صراع عسكري فقط، بل مختبر لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في سوريا والمنطقة. وبين عودة الدولة السورية، وتدويل القضية الكردية، واستخدام داعش كأداة ضغط، يبقى المستقبل مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، جميعها مؤجلة، لكنها قيد التحضير.