الكاتب..جاسم حسين الخالدي
أخذت قضية نقل سجناء تنظيم “داعش” الارهابي إلى الأراضي العراقية عنايةً إعلاميةً وشعبيةً واسعة، لما تحمله هذه الجماعة من ذكرياتٍ دامية لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي للعراقيين جميعًا. فداعش لم يكن تنظيمًا عابرًا، بل تجربة رعب جماعية، تركت آثارها النفسية والاجتماعية والسياسية في كل بيت تقريبًا، من الموصل إلى الأنبار، ومن صلاح الدين إلى بغداد، بل وحتى في الجنوب والوسط. وهي جراحٌ لا تندمل بمجرد إعلان النصر العسكري، بل تتطلب عدالةً ناجزةً تُرمم ما انكسر في الروح الوطنية.
ومن هنا، فإن أي حديث عن نقل عناصره أو سجونه يستدعي تلقائيًا موجة من الرفض والغضب والخشية، وهو رد فعل مفهوم في سياق ذاكرة جماعية مثقلة بالدم والخسارة، ومرتبطةٍ بهواجس الانتكاسات الأمنية التي قد تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.غير أن هذه النظرة، على مشروعيتها العاطفية، تبقى – في جانب منها – انفعالية أكثر منها استراتيجية. فالدولة لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بحسابات المصلحة العليا، وبالقدرة على تحويل أكثر الملفات حساسية إلى أدوات سيطرة قانونية وسيادية، بدل أن تبقى مصادر تهديد مفتوحة خارج الحدود، أو أوراقاً للمساومة في أروقة الاستخبارات الدولية.إن نقل سجناء “داعش” إلى سجون الحكومة العراقية، أو إلى سجون خاضعة لسلطة إقليم كردستان، يمكن النظر إليه بوصفه خطوة إيجابية من زاوية السيادة والأمن القومي. فوجود هؤلاء السجناء داخل الأراضي العراقية، وتحت إشراف مباشر من مؤسسات الدولة، يعني سحبهم من دائرة الاستثمار السياسي والأمني الخارجي، سواء من حكومة دمشق الجديدة، أو من الولايات المتحدة، أو من أي قوة إقليمية أو دولية أخرى قد توظف هذا الملف ورقة ضغط متى شاءت. إن السيادة الناقصة على رؤوس الإرهاب هي ثغرة أمنية لا يمكن للعراق القوي أن يتجاهلها في مرحلة الاستقرار وبناء الدولة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن بقاء عناصر “داعش” في سجون غير عراقية، أو في مخيمات مفتوحة كـ (مخيم الهول)، لم يكن عامل استقرار، بل على العكس، كان مصدر قلق دائم، وبيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف، سواء عبر الهروب، أو عبر غسل الأدمغة، أو عبر تحويل الملف إلى (قنبلة موقوتة)، تُوظف في لحظات التفاوض السياسي. إن السجين الذي لا تملك الدولة السيادة عليه يظل خطراُ محتملاً حتى وهو خلف القضبان، إذ يظل ولاؤه وانتماؤه وقدرته على التحرك مرتبطة بجهات لا تخضع للقانون الوطني العراقي.ومن الناحية القانونية، فإن نقل السجناء إلى العراق يفتح الباب أمام محاكمات وطنية، تستند إلى القوانين العراقية، وإلى حق الدولة في محاسبة من ارتكب جرائم على أراضيها وضد مواطنيها. وهذا يمنح العدالة طابعها السيادي، ويُخرج الملف من دائرة المحاكمات الشكلية أو الاحتجاز المفتوح بلا أفق قانوني، كما هو الحال في بعض السجون والمخيمات خارج العراق. كما يتيح ذلك للعراق بناء أرشيف قانوني واستخباري متكامل عن حقبة التنظيم، يسهم في سد الثغرات المعلوماتية التي قد تستغلها الخلايا النائمة.وفي هذا السياق، تظهر قضية السجناء الأجانب بوصفها واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية. فهؤلاء لا يفترض أن يتحولوا إلى عبء دائم على الدولة العراقية، ولا أن يبقوا ورقة ضغط سياسية بيد القوى الدولية. إنَّ مسؤولية محاكمتهم لا تقع على العراق وحده، بل على دولهم الأصلية التي يفترض بها أن تتحمل واجباتها القانونية والأخلاقية، عبر استقبال مواطنيها ومحاكمتهم وفقًا لقوانينها الوطنية، بدل الاكتفاء بمواقف الصمت أو التهرب. فترك هؤلاء السجناء بلا أفق قانوني واضح لا يخدم العدالة، ولا يسهم في تفكيك الإرهاب، بل يؤجل المشكلة ويعيد إنتاجها بصيغ أخطر، ما يجعل من الضروري تفعيل الدبلوماسية القانونية لإجبار العالم على مشاركة العراق في تحمل هذا العبء الثقيل.لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل الهواجس المشروعة التي يثيرها هذا الخيار.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن نقل سجناء “داعش” إلى العراق يبعث برسالة واضحة مفادها: بأن العراق لم يعد ساحة رخوة تُدار ملفاتها من الخارج، بل دولة تسعى إلى استعادة زمام المبادرة، حتى في أكثر القضايا تعقيداً وخطورة. وهو، في الوقت ذاته، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية؛ لا سيما في ما يتعلق بالمقاتلين الأجانب الذين لا يجوز تركهم عبئاً دائماً على دولة واحدة.إن القضية، في جوهرها، ليست مجرد نقل سجناء من مكان إلى آخر، بل اختبار لقدرة الدولة العراقية على التحوّل من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، ومن رد الفعل إلى الفعل المدروس. وبين الرفض العاطفي المطلق، والقبول غير المشروط، تبدو الحاجة إلى مقاربة عقلانية ترى في السيطرة على الملف خطوة نحو تحصين الداخل لا تهديده. إن القدرة على إدارة ملف أعداء الدولة داخل حدودها هي أسمى درجات فرض هيبة القانون واستكمال السيادة.فداعش الارهابي، سواء كان خارج الحدود أو داخل السجون، يبقى خطراً ما لم يُدر بعقل الدولة لا بعاطفة الجراح. والفرق بين الخطر المسيطر عليه والخطر المنفلت، هو ما يصنع الفارق بين دولة قلقة ودولة تمسك بزمام أمنها وسيادتها، وتحوّل رماد الحرب إلى أسس صلبة لدولة المؤسسات والقانون.
الصباح