الكاتب..مهدي المهنا
يمكنك بسهولة أن تستشعر عبارة “حصر السلاح بيد الدولة” في المشهد العراقي كشعارٍ برّاق يُراد به حق، لكنه يُستخدم غالباً لتغطية واقعٍ أكثر تعقيداً ومرارة.
فالسؤال الجوهري الذي يفرضه الواقع اليوم هو أنه هل الأزمة تكمن في وجود السلاح كأداة، أم في العقلية التي تضغط على الزناد؟ وهل نحن بصدد خطة وطنية حقيقية، أم مجرد استراتيجية دولية، وبخاصة أمريكية، تهدف إلى شرعنة النظام القائم ومنحه صبغة “الدولة المستقرة” أمام المجتمع الدولي، دون معالجة الخلل البنيوي في جوهر هذه الدولة؟ والإجابة المتخيلة هنا كارثية.
تاريخياً، لم يكن سلاح المقاومة الثقيل، برغم جدلية وجوده، هو المصدر المباشر لرعب المواطن في تفاصيل يومه، العراقيون لا يخشون الصواريخ العابرة والمسيرات الذكية بقدر خشيتهم من السلاح الخفيف الكامن في الأزقة، ذلك الذي يُشهر في وجه المتظاهر، ويغتال الناشط، ويحمي الفاسد.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في “الترسانة” بل في “الفتاوى المخفية” والأوامر العابرة للقانون التي تمنح الشرعية لزهق الأرواح بدم بارد وقد يجاملها القضاء مجبراً او متوددا.
إن التركيز على نزع السلاح التقني دون محاسبة “القاتل” هو دوران في حلقة مفرغة، الأزمة ليست في “قطعة الحديد” بل في الإفلات من العقاب المعتاد منذ أكثر من عقدين.
فما نفع حصر السلاح إذا ظلّ القتلة يشعرون بالحرية؟، محميين بنفوذهم السياسي أو بغطاء عقائدي يجعل من دم المواطن مجرد رقم في معادلة السلطة؟
من هنا، يصبح التساؤل الواقعي غريبا، من سيحاصر القتلة؟ إن استعادة هيبة الدولة لا تبدأ بجمع البنادق فحسب، بل تبدأ بمحاصرة الفكر الذي يبيح الدم، وتفكيك منظومات الظل التي تقتات على ترهيب الناس.
نحن لا نحتاج فقط إلى دولة بلا سلاح منفلت، بل نحتاج إلى عدالة لا تستثني أحداً.
فالسلاح الذي لا يخضع للقانون هو أداة جريمة، سواء كان ثقيلاً أو خفيفاً، والجهة التي تشرعن القتل بفتاوى، هي الخطر الأكبر الذي يهدد بقاء المجتمع.
ويمكننا ملاحظة الأمر وتشخيصه بسهولة عبر مايحدث في البصرة والناصرية من ظهور الرقابة الترهيبية الدينية على المجتمع والتي بالضرورة ستصدر الفتاوى بشكل علني لاحقاً بعد أن كانت فتاوى مستترة خاصة للمنفذين.
المسؤولية هنا يتقاسمها كل من الدولة بمؤسساتها والحوزة العلمية بقيادتها، وإبعاد المجتمع عنها لأنها ستتسبب بصراع قد يكون دمويا في مرحلة ما.
العالم الجديد