قراءة سياسية تحلیلیة في تصريحات إلهام أحمد ومستقبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا
عباس عبدالرزاق
تشكل التصريحات الأخيرة لإلهام أحمد حول التفاهمات الجارية بين الإدارة الذاتية ودمشق لحظة سياسية مفصلية في مسار القضية الكردية في سوريا، ليس بوصفها اتفاقاً نهائياً، بل باعتبارها محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين مشروع الإدارة الذاتية ومنطق الدولة المركزية السورية ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
إن هذه التصريحات تكشف عن انتقال تدريجي من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة «التسوية المشروطة»، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى تثبيت مكاسبها ضمن معادلة توازن هش بين القوة العسكرية والشرعية السياسية والضمانات الدولية.
أولاً: إعادة تشكيل المجال الأمني – بين السيادة والازدواجية
يمثل دمج قوى الأسايش ضمن وزارة الداخلية السورية أحد أبرز ملامح التفاهمات الجديدة، وهو إجراء يحمل دلالات مزدوجة. فمن جهة، يعكس اعترافاً ضمنياً من دمشق بوجود بنية أمنية كردية منظمة، ومن جهة أخرى، يفتح الباب أمام عملية احتواء تدريجية للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة المركزية.
من منظور علم السياسة، يمكن توصيف هذا الوضع بوصفه نموذجاً لـ«الازدواجية السيادية»، حيث تتقاسم السلطة المركزية والفاعل المحلي السيطرة الأمنية والإدارية دون وجود إطار دستوري واضح ينظم هذه العلاقة. ويكشف هذا النموذج عن طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها مناطق شمال وشرق سوريا، حيث تتداخل شرعية الأمر الواقع مع شرعية الدولة الرسمية.
إن الإبقاء على وحدات حماية المرأة ضمن البنية العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، ورفض دمجها الفردي، يعكس إدراكاً استراتيجياً لدى قسد بأن التفكيك العسكري يعني بالضرورة فقدان القدرة التفاوضية والسياسية. وعليه، فإن القبول بالدمج الإداري دون التخلي عن الاستقلال العسكري النسبي يشكل جوهر الاستراتيجية التفاوضية الحالية للإدارة الذاتية.
ثانياً: الإدارة والتعليم – صراع الاعتراف بالهوية داخل الدولة
يشير تعيين محافظ للحسكة في إطار التفاهمات مع دمشق إلى محاولة إدخال المحافظة ضمن الهيكل الرسمي للدولة السورية مع الحفاظ على خصوصية الإدارة الذاتية. غير أن هذا الترتيب يظل هشاً في غياب اعتراف دستوري صريح باللامركزية السياسية أو الإدارية.
في هذا السياق، يمثل الاعتراف بشهادات المؤسسات التعليمية التابعة للإدارة الذاتية مكسباً رمزياً واستراتيجياً، لأنه يضفي شرعية جزئية على المؤسسات التي نشأت خارج منظومة الدولة المركزية. غير أن محدودية التعليم باللغة الكردية، وفق الصيغة الحالية للاتفاق، تكشف عن استمرار منطق الدولة القومية المركزية التي تقبل بالتعدد الثقافي بوصفه امتيازاً محدوداً لا حقاً دستورياً.
وبذلك، يتحول ملف التعليم إلى ساحة صراع سياسي وثقافي حول تعريف الهوية الوطنية السورية وحدود الاعتراف بالتعدد القومي.
ثالثاً: الضمانات الدولية – بين الواقعية السياسية ووهم الحماية
تعكس الإشارة إلى دور فاعلين دوليين، مثل فرنسا والولايات المتحدة، طبيعة الاتفاق بوصفه نتاجاً لتوازنات دولية أكثر من كونه نتيجة حوار داخلي سوري خالص. غير أن تجربة الكرد التاريخية مع الضمانات الدولية تفرض مقاربة نقدية لهذه الوعود.
من منظور الواقعية السياسية، لا تُعد الضمانات الدولية التزامات أخلاقية، بل أدوات مرتبطة بحسابات المصالح الاستراتيجية. وبالتالي، فإن استمرار هذه الضمانات مرهون بمدى توافقها مع أولويات القوى الكبرى، وليس بمدى عدالتها أو شرعيتها.
وعليه، فإن الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية يحمل في طياته مخاطر استراتيجية، خصوصاً في ظل قابلية المواقف الدولية للتغير تبعاً للتحولات الإقليمية.
رابعاً: تركيا ومعادلة الأمن الإقليمي
تشكل التصريحات المتعلقة بإمكانية انسحاب تركيا من عفرين وسري كانيه إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل. فمن منظور الأمن القومي التركي، تمثل هذه المناطق جزءاً من استراتيجية احتواء المشروع الكردي في سوريا، وليس مجرد مواقع عسكرية قابلة للمقايضة السياسية بسهولة.
لذلك، فإن أي انسحاب تركي محتمل لا يمكن فهمه إلا ضمن إطار صفقة إقليمية أوسع تشمل ملفات متعددة، من بينها مستقبل قسد، والعلاقة بين أنقرة وواشنطن، والتوازنات الروسية–الإيرانية في سوريا.
ويشير ذلك إلى أن مستقبل الإدارة الذاتية لا يتحدد فقط في دمشق أو القامشلي، بل في عواصم إقليمية ودولية متعددة.
خامساً: دور إقليم كردستان – الوساطة وحدودها
يبرز دور إقليم كردستان العراق بوصفه وسيطاً سياسياً في تقريب وجهات النظر بين قسد ودمشق، وهو دور يعكس تطور القضية الكردية من شأن محلي إلى قضية إقليمية مترابطة.
غير أن هذه الوساطة ليست محايدة بالكامل، إذ تخضع بدورها لحسابات سياسية واقتصادية وإقليمية معقدة، ما يجعلها عاملاً مساعداً على التسوية، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى عامل ضغط على المشروع السياسي للإدارة الذاتية
سادساً: السيناريوهات المستقبلية – بين التثبيت والاحتواء والانفجار
يمكن استشراف مستقبل التفاهمات الحالية عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
-
سيناريو التثبيت التدريجي للإدارة الذاتية: حيث تتحول التفاهمات الحالية إلى صيغة سياسية مستقرة، تضمن قدراً من اللامركزية والاعتراف بالهوية الكردية ضمن إطار الدولة السورية.
-
سيناريو الاحتواء المركزي: حيث تنجح دمشق في دمج مؤسسات الإدارة الذاتية تدريجياً، وتقليص استقلاليتها، وإعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية.
-
سيناريو الانفجار الأمني: حيث تنهار التفاهمات نتيجة تدخل تركي أو تغير في المواقف الدولية، ما يؤدي إلى عودة الصراع العسكري.

