كتابة:آريز عبدالله / كاتب كوردي
تتجلى المفارقة الصارخة في المشهد السياسي الراهن حين نستذكر أن “أبو محمد الجولاني” كان مطلوباً للعدالة الأمريكية وتم رصد مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه ، وذلك قبل أن يتحول فجأة إلى شخصية سياسية بزي مدني ويلقب بالسيد الرئيس “أحمد الشرع”! وفي المقابل، نجد شخصية مثل السيد نوري المالكي (الذي عُرف باسمه الحركي “جواد المالكي ” أثناء سنوات نضاله ضد النظام السابق)، وكانت أهدافه تتوافق سياسيا مع أهداف الولايات المتحدة؛ فكلاهما رأى في نظام صدام حسين نظاما دكتاتورياً يشكل خطراً ليس على الشعب العراقي فحسب، بل على الأمن العالمي، خاصة بعد استخدامه السلاح الكيميائي ضد الجارة إيران وضد أبناء شعب كردستان، لذا، اتفق الطرفان (بشكل مباشر أو غير مباشر) على التنسيق والتعاون لإسقاط ذلك النظام، لا يمكن إنكار أن الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي ساندت التحالف الدولي في عملية “تحرير العراق” عام 2003. وكان المالكي أحد أبرز قيادات المعارضة التي ساهمت، إلى جانب شخصيات وطنية كالرئيس الراحل جلال الطالباني و احمد الجلبي و عبدالعزيز الحكيم و إياد العلاوي ومسعود بارزاني وآخرين، في إرساء القواعد الأساسية لبناء العراق الجديد. وخلال توليه رئاسة مجلس الوزراء لدورتين متتاليتين، استطاع المالكي رغم الظروف الأمنية والسياسية بالغة التعقيد قيادة الحكومة وإجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، والمضي قدماً في تطبيق الدستور، لا سيما جزء من المادة 140 التي اعتُبرت الركيزة الأساسية لتنظيم العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان.
إن تغريدة ترامب وعصر “التفاهة السياسية” اليوم، وفي الوقت الذي تذهب فيه الأغلبية السياسية المتمثلة في الكتل المنتخبة نحو ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة القادمة، نُفاجأ بتغريدة وُصفت بـ”الهزلية” من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يزعم فيها أن انتخاب المالكي سيجلب الكارثة على العراق! إن هذه التغريدة ليست مجرد رأي عابر، بل هي نتاج منهج استراتيجي متقلب تجاه الشرق الأوسط عامة والعراق خاصة. والمثير للجدل فى الوقت نفسه هو دعم ترامب الصريح للتحولات في سوريا، حيث يبدو مستعداً للتضحية بأخلص حلفائه؛ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي حاربت “داعش” جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة و التحالف الدولي ضد داعش وأسقطت عاصمتها “الرقة”، والآن، يُترك أبناء الشعب الكردي في سوريا لمواجهة خطر التشريد بعد أن كانوا الظهير القوي للقوات الأمريكية، وكأن شيئاً لم يكن! التساؤل الجوهري هل من المنطقي أن يدعم السيد ترامب “جبهة النصرة” (بمسمياتها الجديدة) ضد قسد، في حين يعارض انتخاب السيد المالكي في العراق بحجج واهية ؟ إن هذه المفارقة العجيبة تعبر بوضوح عن “عصر التفاهة” الذي نعيشه، والذي يروج له ترامب؛ حيث تُبنى السياسات على الصفقات اللحظية لا على الوفاء للشركاء أو القيم و المبادئ الديمقراطية. إذن، هل لدعم “الجولاني” حكمة نجهله؟ و لمحاربة “المالكي” الذي ناضل ضد اكبر دكتاتوريات العصر سرٌّ لا نعلمه ؟ الأكيد أننا نعيش زمناً يفتقر للمبادىء و القيم السياسية، فالحذر كل الحذر.