إلى الحكومة السورية المؤقتة التي وُلدت في ظلّ تقاطعاتٍ دولية معقّدة، وإلى تركيا، راعيها الإقليمي الذي يتوهّم أنه يمسك بخيوط المشهد:
أنتم لا تدركون أنكم، بسياساتكم هذه، أيقظتم مارداً كان نائمًا، ولن يعود إلى ما كان عليه، وربما، رغم كل ما ارتُكب، كشفتم حقيقةً كنتم تظنون أن بإمكانكم طمسها. لم تدفعوا الكورد وحدهم إلى المواجهة، بل دفعتم شعوب سوريا والمنطقة نحو عتمةٍ خطيرة، وانكسارٍ في الوعي، وانزلاقٍ إلى مستنقع الحقد والكراهية.
إنّ منطق الإنكار والعنجهيّة، وربما الخوف من تصاعد الوعي الكوردي، لم يُضعف الكورد يومًا، بل فعل العكس تمامًا؛ لقد أيقظ في وجدانهم ما كان كامِنًا منذ قرنٍ واكثر، وأعاد تشكيل إرادةٍ تاريخية لا تُقاس بلحظةٍ سياسية عابرة، ولا تُحتوى بقرارٍ مفروض.
لم تكن المطالب الكوردية يومًا مشروع انفجار، بل مشروع شراكة، لم تكن دعوة إلى تمزيق سوريا، بل إلى إعادة بنائها على أسس العدالة والتوازن. لكن حين رُفضت المطالب، وحين أُغلقت أبواب الحوار الحقيقي، وحين جرى التعامل مع تضحيات شعب كامل وكأنها تفصيل عابر في حسابات الآخرين، تغيّر شيء عميق في الوجدان الكوردي.
لقد أثبت التاريخ أن إلغاء الكورد لا يُنتج استقرارًا، بل يُراكم أزمات مؤجلة.
أُلغيَت جمهورية مهاباد، فترسخت الفكرة. قُمعت ثورة البرزاني في جبال كوردستان، فعادت أقوى في الوعي، سُحق ثورة الشيخ سعيد، وأُعدم قاضي رضا، وسقطت إمارة بدليس وبدرخان، لكن لم تسقط القضية. كل محاولة إغلاق كانت تفتح أفقًا أوسع.
اليوم، حين تُغلقون باب الشراكة، وتُضيّقون على الفيدرالية، وتعتبرون الاعتراف بالحقوق تهديدًا، أنتم لا تُنهون القضية الكوردية، بل تدفعونها إلى مستوى أعلى من الوضوح والصلابة، إلى حيث كوردستان الكبرى. ما كان مطلبًا سياسيًا قابلًا للتفاوض أصبح وعيًا وجوديًا لا يُختزل.
لقد كان بالإمكان تحويل العقد الماضي إلى نقطة تأسيس لسوريا جديدة، بنظام لا مركزي فيدرالي يحفظ الكرامة للجميع، كان بالإمكان أن تتحول روج آفا إلى نموذج توازن، لا إلى ساحة شدٍّ وصراع. لكن الإصرار على منطق السيطرة، واعتبار الاعتراف ضعفًا، أعاد إنتاج معادلة قديمة، كلما ضاق الأفق، ارتفع السقف.
خسرنا مكتسبات، نعم. لكننا لم نخسر إرادتنا. خسرنا جولة، لكننا لم نخسر التاريخ. وخسرنا مواقع وأجزاء من جغرافية غربي كوردستان، لكننا لم نخسر كوردستان.
أنتم تخشون ما تسمّونه “المارد الكوردي”. لكن هذا المارد ليس فوضى، بل وعي، ليس رغبة في الهدم، بل تصميم على الوجود. وكلما تم التعامل معه بعقلية الخوف والإنكار، ازداد وضوحًا وتنظيمًا.
لقد شهدت المنطقة ما سُمّي بالربيع العربي، حين انفجرت تراكمات الإنكار في أكثر من دولة. أما اليوم، فإن الاستمرار في رفض الاعتراف بالحقوق الكوردية، وفي تجاهل عمق المسألة الكوردستانية في الدول التي تقاسمت كوردستان، يفتح باب مرحلة جديدة من إعادة التفكير في شكل الدولة، وفي معنى الشراكة، وفي حدود المركزية القسرية.
ليس لأن الكورد يسعون إلى زعزعة المنطقة، بل لأن تجاهلهم يزعزعها تلقائيًا.
الاستقرار لا يُبنى بإنكار نصف الحقيقة، والأمن لا يتحقق بإقصاء شعب، والدول المحتلة لكوردستان لا تقوى بتجاهل مكوّن أصيل فيها.
لقد تغيّر الوعي الكوردي خلال العقد الأخير. لم يعد مطلبًا ظرفيًا، بل رؤية سياسية عميقة. من الفيدرالية، إلى صيغ أوسع من التعاون الكوردستاني، تتبلور ملامح مرحلة جديدة. كل ضغطٍ خارجي يعمّق الشعور بالهوية الجامعة لكوردستان الكبرى، لا لجزءٍ منها فقط، فما يجري في المهجر ودول الشتات والأجزاء الأخرى من كوردستان اليوم، ودعم شعوب العالم الحر، وما يعرض على منصات القوى الدولية خير شاهد، على بدايات يقظة المارد الكوردي.
فيا حكومة أحمد الشرع، ويا تركيا، ويا من يظنون أن بإمكانهم إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء…
اعلموا أن كوردستان، التي نجت من قرنٍ من الإنكار والقمع ومحاولات الطمس، لن تُمحى بقرارٍ عابر، ولن تنكسر أمام معادلةٍ مؤقتة، لأن ما تحمله في وجدانها أعمق من أن يُطفأ بمرسوم، وأرسخ من أن يُلغى بتفاهم ظرفي.
قد تظنون أن اللحظة لصالحكم، لكن التاريخ لا يُكتب باللحظات، بل بالمسارات، واللحظات العابرة لا تُلغي المسارات الطويلة، ولا تمحو إراداتٍ تراكمت عبر الأجيال.
لقد أيقظتم مارداً، لا ليحترق، بل ليُضيء، لا ليهدم، بل ليُعيد تعريف معادلة الشراكة، ولا ليعود إلى سباته مرةً أخرى.
والمارد الكوردي الذي نتحدث عنه ليس سلاحًا قادمًا من الخارج، ولا قوةً تُستعار من أحد، ولا مشروعًا مؤقتًا تحركه العواصم، إنه وعيٌ استيقظ، وإرادةٌ لا تُكسر، وثقةٌ تراكمت عبر الألم، وطموحٌ يتجاوز اللحظة، ورؤيةٌ تنبع من الذات الحرة.
وهذا النوع من المارد، لا يُقهر لأنه لا يقوم على السلاح، ولا يُهزم لأنه يقوم على الوعي، ولا يعود إلى سباته لأنه أصبح قدرًا تاريخيًا، لا ردَّ فعلٍ سياسيًا.