د. طارق جوهر سارمه مي
لا تبدو زيارة وفد الاطار التنسيقي برئاسة محمد شياع السوداني، وعضوية هادي العامري ومحسن المندلاوي، إلى إقليم كردستان خطوة بروتوكولية عابرة، ولا يمكن اختزالها بمحاولات التوافق على مرشح كردي موحّد لمنصب رئاسة الجمهورية. فخلف هذه الزيارة تقف حسابات سياسية أعمق، تتصل مباشرة بمستقبل رئاسة الوزراء العراقية، وبالتحولات المتسارعة داخل ميزان القوى الإقليمي والدولي المؤثر في بغداد.
فبعد أن حسم «إطار التنسيقي» خياره بالإجماع، واكد تجديد دعمه لترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، في تحدٍ واضح للضغوط الأمريكية الداعية إلى استبداله، باتت القوى الشيعية معنية بإعادة تثبيت التحالفات الداخلية، وفي مقدمتها الموقف الكردي. ومن هنا، يمكن قراءة الزيارة بوصفها محاولة لاختبار مدى ثبات الدعم الكردي لهذا الخيار، أو الوقوف على أي تحوّل محتمل في ضوء مواقف واشنطن وعلاقات شخصيات أمريكية نافذة، مثل توم باراك، مع الحزبين الكرديين الرئيسيين.
الأكراد، في هذه اللحظة السياسية الحساسة، لا يقفون في موقع المتفرج، بل في قلب المعادلة. فموقفهم من مرشح رئاسة الوزراء لا يحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل يرسم أيضًا طبيعة العلاقة المستقبلية بينهم وبين التحالف الشيعي، وحدود تأثير العامل الأمريكي في القرار العراقي. وهذا ما يجعل القرار الكردي محاطًا بضغوط متناقضة، تتراوح بين مقتضيات الشراكة الداخلية، ومتطلبات التوازن مع القوى الدولية والإقليمية.
إن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن أي خطأ في الحسابات قد ينعكس مباشرة على موقع إقليم كردستان في بغداد، وعلى مكتسباته السياسية والدستورية. فالدعم غير المشروط قد يضع الإقليم في مواجهة ضغوط أمريكية متزايدة، في حين أن التراجع أو المناورة قد يُفسَّر شيعيًا على أنه إخلال بالتفاهمات الاستراتيجية القائمة منذ سنوات.
وعليه، يجد كلٌّ من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني نفسيهما أمام اختبار سياسي بالغ الصعوبة: إما الانحياز إلى خيار «إطار التنسيق» وحلفائه الإقليميين، بما يحمله ذلك من تبعات داخلية وخارجية، أو الرهان على الموقف الأمريكي، بكل ما ينطوي عليه من عدم يقين وتقلبات. وفي كلتا الحالتين، فإن قرار الكرد في هذه المعركة لن يكون تفصيلاً، بل عاملًا حاسمًا في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة في العراق.

