عباس عبدالرزاق
الملخص
يسعى هذا المقال إلى استخراج البنية الفلسفية الكامنة في أطروحات بختيار علي حول الشرق الأوسط والغرب والحركات السياسية فيه. فهو لا يكتفي بوصف أحداث راهنة، بل يطرح إطارًا نقديًا جذريًا يرى في الفاشية لا كأيديولوجيا عارضة، بل كنسيج بنيوي متجذر في صيرورة الحداثة شرقيا. كما يُستكشف في هذه القراءة كيف أن روجافا تمثل ليست مجرد حالة سياسية استثنائية، بل شكّلت اختبارًا فعليًا لإمكانية بناء نموذج مناهض للفاشية على أرض الواقع، وهي إمكانية لا تزال تُقلق كل القوى التي تحكم البنية السياسية للمنطقة.
أولًا: الفاشية كبنية لا كأيديولوجيا
تنطلق أطروحة بختيار علي من فرضية فلسفية بالغة الأهمية: إن الفاشية في الشرق ليست حزبًا بعينه ولا حركة محددة، بل هي ما يمكن أن نصطلح عليه بـ”البنية الأساسية” للعقل السياسي الذي أُنشئ منذ لحظة وصول الحداثة إلى الشرق. هذه الفرضية تستدعي أن نتوقف عندها طويلًا، إذ فيها كسر صريح لكثير من الافتراضات السائدة في دراسات السياسة الإقليمية.
في الفكر السياسي الغربي التقليدي، كثيرًا ما يُعالَج الفاشية بوصفها ظاهرة تاريخية محددة، ارتبطت بحقبة بعينها وأزمة بعينها. غير أن علي يذهب إلى ما هو أعمق من ذلك: الفاشية ليست حدثًا عارضًا أو انحرافًا عن السير الطبيعي للحداثة، بل هي تلك الآلة التي تحرك العقل السياسي والديني في الشرق ذاته. كل دولة وكل قوة تصل إلى مصادر السلطة في هذا السياق لا تستطيع، وفق رأيه، أن تكون غير فاشية. والأهم من ذلك أنه يُقدم هذه المسألة لا كقسرية طبيعية فقط، بل كنتيجة حتمية لبنية ذهنية تراكمت على مدى أكثر من قرن، في ظل غياب أي نموذج سياسي بديل.
ما يجعل هذه الأطروحة فلسفيًا استثنائية أنها تربط الإبادة الجماعية لا بالحوادث العارضة، بل بالهدف البنيوي للعقل القومي-الديني في المنطقة. فهذا العقل، كما يطرحه علي، هو عقل صُنع في الأصل ليكون قادرًا على «تطهير» من يجب تطهيرهم، ولا يترك الأمم والجماعات الأخرى تستمر بوجودها. ولعل أبعد ما يذهب إليه هو أن «كل العملية السياسية» في الشرق قائمة على خيال فاشي أصيل، وأن انتقاد هذا الخيال ينفصل عن انتقاد السياسة ذاتها التي تصنعه وتحركه.
ثانيًا: الغرب والشرق — شراكة أيديولوجية أم تحالف فعلي؟
من أكثر الإسهامات الفكرية في نص علي أحداثيتها، وهي ما يمكن تأطيره فلسفيًا في إطار “السلطة البنيوية” للغرب. فهو لا يطرح العلاقة بين الغرب والشرق كعلاقة استعمارية بسيطة، بل كعلاقة إنشائية: الغرب هو من صنع هذه البنية السياسية الإقليمية وهو من يصونها. والأدلة التي يستشهد بها على ذلك جوهرية، إذ يصف كيف أن الخطابات القومية المحافظة كـ”سوريا الموحدة” و”العراق الموحد” و”تركيا الموحدة” هي في حقيقتها خطابات تمنح الشرعية للنظام القائم، وأن الغرب هو «صاني وحارس شرعي» لهذه الخطابات.
لكن الأعمق في هذه القراءة هو تحليل علي للإسلام السياسي وعلاقته بالسياسة الغربية. فهو يرفض القراءة السائدة التي تصور الإسلام السياسي كـ”حركة مقاومة ضد الغرب»، بل يذهب إلى أن الثورة الإسلامية السياسية كانت في حقيقتها «ثورة ضد التحديث والقوى التحديثية الداخلية في الشرق». وهكذا يكشف عن تقاطع مفارق: مشروع الإسلام السياسي والسياسة الغربية لا يتعارضان كما نفترض، بل هما كثيرًا ما يلتقيان في خدمة نظام واحد ممتد من أفغانستان حتى اليوم.
غير أن ما يجعل الطرح أكثر دقة فلسفيًا هو تحذيره من أن “كل الغرب ليس واحدًا”. فهو يميز بوضوح بين الغرب الرأسمالي المحافظ الذي يحكم قواعد اللعبة، وبين غرب آخر كان على صراع معه منذ سنوات. والخلط بين الاثنين، كما يرى، يُنتج خطابًا محافظًا متأخرًا يسلب حركات التحرر الإنساني أدوات صراعها.
ثالثًا: روجافا كـ”اختبار الحقيقة” للنموذج المناهض للفاشية
يأتي القسم الأكثر إثارة الفكريًا حين يتناول علي روجافا. فهو لا يطرحها كنجاح سياسي إقليمي فحسب، بل كـ”أول فرصة جوهرية وحقيقية في العقل الجديد للشرق لكسر تلك الصورة الفاشية من السياسة”. والإصرار على كلمة “أول” هنا ليس مجازًا خطابيًا، بل هو ادعاء فلسفي: في سياق بنيوي طال فيه القرن الواحد كلا من الخيال الفاشي والخيال المحافظ حيزًا كاملًا، جاء روجافا ليثبت أن البنية ليست قدرًا. واللافت أن علي لا يرى في استمرار الخطر على روجافا دليلًا على فشلها، بل يعدّه دليلًا على أهميتها وجذريتها.
فلسفيًا، هذا يطرح سؤالًا محوريًا: كيف تخلق الإرادة السياسية نموذجًا مضادًا لبنية سائدة؟ وجواب علي واضح — من خلال ثلاثة عناصر: المساواة والحرية والتحرير الحقيقي للمرأة. وهذه العناصر ليست مجرد شعارات، بل هي أسس فعلية لنظام سياسي يؤسس «ثقل» البديل الإدراكي والإيديولوجي. وهنا يربط علي روجافا بحركة “المرأة الحياة الحرية” في إيران كنموذجين يكشفان إمكانية أن «يسري» نموذج حرية واحد من مجتمع إلى آخر، وهو ما يجعل كل من هذه الحركات تهديدًا حقيقيًا على البنية الفاشية القائمة.
رابعًا: الخوف كمحرك تاريخي — فلسفة الـ”لا”
من أبرز الأفكار النقدية في نص علي أن الخوف من روجافا لا يأتي من الصراع الجيوسياسي البسيط، بل من كون روجافا أثبتت أنه يمكن أن “تكون الأشياء مختلفة”. هذه الجملة تحمل ثقلًا فلسفيًا هائلًا؛ فهي تعني أن مجرد إثبات إمكانية البديل كافٍ لزعزعة استقرار أي نظام قائم على فرض أن لا بديل عنه. والخوف هنا ليس خوف دولة بعينها، بل خوف “كل النظم الفاشية” الدينية والقومية التي كانت في أمان حيث لم يكن نموذجًا فعليًا للبديل قائمًا أمامها.
وهنا يأتي حديثه عن كلمة «لا» للمظلوم عبدي. فهذه الكلمة، كما يفسرها علي، ليست نايًا موجهًا ضد شخص واحد أو سلطة واحدة، بل «نا كبيرة» موجهة ضد كل النظام السياسي العالمي الذي يحول التبعية والاستعمار إلى وضع طبيعي. والأهم أنه يربطها بـ”كل الثوار الحقيقيين في العقل” — تلك الكلمة التي تدق “عميقًا في الأعماق”. فلسفيًا، هذا يشبه ما وصفه هيغل بـ”اللحظة السلبية” في الجدل: لحظة الإنكار التي هي في الوقت ذاته لحظة الإنشاء.
خامسًا: أزمة الإرادة والخيانة الاستراتيجية
في قسمه الأخير والأكثر إلحاحًا، يطرح علي ما يمكن أن نسميه “أزمة الإرادة” — وهي أعمق إشكالية فلسفية ذات طابع عملي يعالجها النص. فهو يُحذر من أن الخطر على الكرد ليس شيئًا مؤقتًا أو مرحليًا، بل هو “تهديد وجودي” يستوجب “موقفًا استراتيجيًا وجوديًا” في المقابل. والإخفاق في استيعاب هذه الحقيقة — وهو ما تعاني منه السياسة الكردية منذ قرن كامل — هو ما يسميه بـ”سستي الإرادة”.
والأهم أنه يحدد “أكبر خطر على الإرادة” ليس في القوة العسكرية للعدو، بل في ذلك الخطاب المأساوي حول “ضعف الكرد وعدم وجود دعم لهم”. فهذا الخطاب، كما يرى علي، هو ما يغذي السستي البنيوي في الإرادة. ويدعو بدلًا من ذلك إلى استراتيجيات دفاعية طويلة الأمد تحل محل الخطاب الحماسي القصير الذي «يصمد أيامًا قليلة ثم يخبو ويموت في مكانه». فلسفيًا، هذا يعكس تمييزًا جوهريًا بين الإرادة كـ”حالة عاطفية” وبين الإرادة كـ”استراتيجيا فعلية” — وهي تمييز كان ميكيافيلي من أوائل من أبرزه في التراث الفلسفي السياسي.
خاتمة: من النقد إلى البناء
يبقى الإسهام الفلسفي لبختيار علي في هذه الأطروحات على قدر كبير من الأهمية والجدة. فهو لا يكتفي بنقد سياسي سطحي للأحداث الراهنة، بل يرسم خطًا فكريًا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل من خلال مفهوم الـ”البنية الفاشية” كعلة جذرية لكل فشل سياسي في الشرق. والأكثر استجسادًا أنه يوازن بين النقد الجذري — الذي يكشف البنية — والدعوة العملية إلى البناء — الذي يُطيغ البنية. روجافا عنده ليست حلمًا سياسيًا فحسب، بل هي «الدليل العملي» على أن البنية الفاشية ليست قدرًا مطلقًا، وأن الإنسان الحر قادر على أن يصنع نموذجًا آخرًا، حتى في أعتى البيئات الحاكمة فاشيةً وكلونيالية. وهذه، في نهاية المطاف، ليست مجرد قراءة سياسية، بل رهان فلسفي على إرادة الإنسان ذاتها.
―――
المصدر الأساسي:
بختيار علي — “تأملات سريعة حول ما يجري في روجافا”، النص الكردي الأصلي والترجمة العربية المعتمدة في صياغة هذه القراءة الفلسفية.