محمد شيخ عثمان
لم يعد فيصل القاسم مجرد مقدم برنامج جدلي، بل تحول خلال السنوات الاخيرة الى ظاهرة اعلامية مثيرة للانقسام، تعكس خللا عميقا في بنية الاعلام العربي، وفي مقاربته لقضايا الهوية والتعدد والتعايش. وفي سياق الحرب المفروضة على روجافا، برز دوره لا كمراقب او ناقل للرأي، بل كفاعل تحريضي اسهم بشكل مباشر في تسميم الوعي الجمعي ودفعه نحو منطق الفتنة والكراهية.
في تغطيته لما يسميه بالصراع في شمال وشرق سوريا، انحاز القاسم بشكل فج الى خطاب سياسي ـ ايديولوجي يعادي الوجود الكردي بوصفه قضية شعب وحقوق، لا بوصفه طرفا سياسيا قابلا للنقد.
هذا الانحياز لم يكن نقدا موضوعيا لادارة او تجربة، بل تحريضا منظما استهدف شرعنة الحرب النفسية والاعلامية ضد روجافا، وتوفير غطاء اخلاقي للعدوان عليها.
الاخطر في هذا الدور انه لم يكتف بتحريض الشارع المرتبط ببيئة الشرع وادواته الايديولوجية، بل سعى بشكل واع او غير واع الى ايقاظ روح الكراهية داخل الشارع الكردستاني نفسه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لان نقل الصراع من مستوى سياسي الى مستوى هوياتي فتنوي يعني تدمير اسس التعايش العربي الكردي، ونسف اي افق لاستقرار سوريا المستقبل.
ما قدمه فيصل القاسم في هذه المرحلة لا يخدم العرب ولا الكرد، ولا الدولة السورية ولا مفهوم السيادة، بل يخدم منطق الفوضى الدائمةخطاب قائم على الاستفزاز، الانتقاء، والتعميم، يعيد انتاج العقلية الاقصائية نفسها التي اوصلت سوريا الى ما هي عليه. فبدلا من مساءلة جذور الازمة السورية، اختار تحويل الكرد الى شماعة، وتجربة روجافا الى فزاعة.
ان تحويل قضية شعب كردستان في روجافا الى مادة للتهريج السياسي او الاستثمار الايديولوجي هو فعل وضيع، لا يندرج في اطار حرية التعبير، بل في اطار التحريض الفتنوي. وهو مسار لن ينتج الا مزيدا من الانقسام، ولن يمنح سوريا لا الاستقرار ولا القدسية التي يتشدق بها دعاة المركزية القسرية.
المشكلة اذا ليست في فيصل القاسم كشخص فقط، بل في العقلية الاعلامية العربية التي لا تزال عاجزة عن استيعاب التعدد، وترى في اي تجربة مختلفة تهديدا وجوديا. اعلام لم يتحرر من عقدة الدولة القومية المغلقة، ولا من وهم الهوية الواحدة، ولا من ثقافة التخوين.
لقد اختار القاسم في لحظة سورية بالغة الهشاشة، ان يصب الزيت على النار، لا ان يطرح الاسئلة الصعبة، وان يستدعي غرائز الكراهية بدل تفكيك اسباب الصراع. خطابه لم يقتصر على معاداة الادارة الذاتية كمشروع سياسي قابل للنقد، بل انزلق عمدا نحو شيطنة الكرد كهوية، وتحويل روجافا الى عدو متخيل، في اعادة انتاج فجة لمنطق الاقصاء الذي دمر سوريا منذ عقود.
الوضاعة في هذا الدور لا تكمن فقط في تحريض شارع ايتام الشرع وبيئته الايديولوجية، بل في محاولة اخطر: ايقاظ روح الكراهية داخل الشارع الكردستاني نفسه. حين يتحول الاعلامي من ناقل الى مستفز، ومن محلل الى محرض، فان النتيجة ليست رأيا عاما واعيا، بل فتنة مفتوحة لا تخدم ايا من الطرفين.
هذا النمط من الاعلام لا ينتصر للعرب، ولا يحمي وحدة سوريا، ولا يدافع عن السيادة. انه يخدم فقط منطق الفوضى الدائمة، ويمنح شرعية خطابية لحرب لا اخلاقية على منطقة كانت في مقدمة من حارب الارهاب، ودفع اهلها اثمانا باهظة دفاعا عن سوريا كلها.
الاخطر ان فيصل القاسم لا يعمل في فراغ، هنا تبرز مسؤولية قناة الجزيرة، التي تحولت من منصة تدعي التعدد الى اداة انتقائية في ادارة الصراعات فالرأي والرأي الاخر يسقطان اخلاقيا حين يكون السؤال مصمما للتحريض، والضيف منتقى للتجييش، والاطار العام موجها نحو نتيجة واحدة.
كما لا يمكن فصل هذا الخطاب عن اسياده، عن الاجندات التي ترى في روجافا خطرا لا لعيوبها، بل لانها كسرت نموذج الدولة الاحادية والعقلية الاقصائية.
ان استهداف روجافا بهذا الشكل لا يهدد الكرد وحدهم، بل ينسف فكرة التعايش العربي الكردي من اساسها، ويزرع بذور صراع طويل الامد داخل المجتمع السوري نفسه. وهذا اخطر من اي معركة عسكرية، لان الفتنة حين تتجذر في الوعي لا تحتاج الى جيوش لتستمر.
القضية هنا ليست حرية تعبير، بل سقوط مهني واخلاقي. اعلام يختبئ خلف الشعارات، لكنه يمارس ابشع اشكال التحريض الناعم اعلام يهاجم الضحية، ويتجاهل الجلاد، ثم يدعي الموضوعية.
ما يمثله فيصل القاسم اليوم هو نموذج للاعلام العربي المازوم، العاجز عن استيعاب التعدد، والمصاب برهاب اي تجربة ديمقراطية او لامركزية وما لم تتم مواجهة هذا الخطاب وكشفه، ستبقى سوريا والمنطقة اسيرة الفتنة، وسيبقى الاستقرار مجرد شعار فارغ.