عباس عبدالرزاق
في المشهد المتغير للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، برزت كردستان—وبالأخص مدينة كركوك الغنية بالنفط—كمحور استراتيجي. فقد كانت تُعتبر قضية إقليمية عابرة، لكنها اليوم تحتل دورًا مركزيًا في الصراع العالمي على الطاقة والنفوذ، فيما تتردد آثار الصراع بين روسيا وأوكرانيا من أوروبا إلى شرق البحر المتوسط.
الطاقة كسلاح جيوسياسي
كشفت الحرب في أوكرانيا عن هشاشة أوروبا واعتمادها على الغاز الروسي، ما دفعها للبحث المستعجل عن مصادر بديلة. ولم تعد احتياطيات النفط والغاز في كردستان مجرد أصول محلية، بل أصبحت أدوات جيوسياسية. بالنسبة لواشنطن، وبروكسل، وتل أبيب، توفر هذه الموارد قدرة ضغط لموازنة هيمنة روسيا على الطاقة والحد من نفوذ إيران في العراق وسوريا.
ويقول محللون في واشنطن:
“تقع كردستان عند مفترق طرق سياسة الطاقة العالمية. من يسيطر على مواردها يمكنه تشكيل التحالفات الإقليمية وحسابات القوة في الشرق الأوسط.”
الفاعلية الكردية في الساحة الدولية
بالنسبة للقيادة الكردية، المخاطر والفرص عالية جدًا. فالانقسامات الداخلية تهدد بتقليل نفوذهم، بينما يظل الاعتماد على القوى الخارجية درعًا وحافة خرق محتملة. يرى صانعو السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا السلطات الكردية كشركاء—ولكن فقط طالما أنها تخدم أهدافًا استراتيجية أوسع، مثل الحد من نفوذ طهران أو إدارة طموحات تركيا.
لذلك، يكمن التحدي الكردي في موازنة الانخراط الخارجي مع التماسك الداخلي. فإدارة النفط والغاز بشكل استراتيجي قد توفر طريقًا نحو الاستقلال السياسي والاقتصادي، بينما سيؤدي سوء الإدارة إلى تحويل هذه الموارد إلى أدوات ضغط خارجي.
التوترات الإقليمية والمخاطر الاستراتيجية
الجغرافيا السياسية المحيطة بكركوك وكردستان معقدة ومتوترة:
التأثير الروسي: موسكو تستغل تحالفاتها في سوريا وروابطها مع طهران لمواجهة الوجود الأمريكي.
الطموحات الإيرانية: تعتبر طهران شمال العراق منطقة عازلة ونقطة ضغط محتملة.
الاهتمامات التركية: ترى أن تمكين الأكراد يشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة أراضيها وأمنها السياسي.
الحسابات الغربية: تركز الولايات المتحدة وأوروبا على تنويع مصادر الطاقة أكثر من دعم سيادة كردستان طويلة الأمد، مما يجعل الأكراد رهينة لتقلبات المصالح الدولية.
أي تصعيد بين هذه الأطراف قد يحوّل كردستان من طاولة تفاوض إلى ساحة صراع مفتوحة.
الفرص الاستراتيجية للأكراد
رغم المخاطر، تمتلك كردستان فرصًا فريدة:
تحقيق التماسك السياسي لتوحيد الفصائل الداخلية.
استثمار الموارد الطاقية لتعزيز الاستقلالية والتفاوض بشروط متساوية مع القوى الخارجية.
بناء شبكة تحالفات متوازنة لتقليل خطر الاستغلال من أي طرف خارجي واحد.
استراتيجية كردية قائمة على الدبلوماسية وإدارة الموارد قد تحوّل الإقليم من قطعة هامشية إلى طرف مؤثر في الشؤون الإقليمية والدولية.
باتت كردستان وكركوك اليوم في موقع محوري في السياسة الشرق أوسطية، حيث تتقاطع الموارد الطاقية مع الاستراتيجية الدولية. وستحدد السنوات المقبلة ما إذا كان الأكراد قادرين على تحويل هذه الفرصة إلى نفوذ مستدام، أم أن منطقتهم ستظل ساحة لصراعات القوى الأخرى.
ويقول أحد المحللين:
“الطاقة سيف ودرع في الوقت نفسه. التحدي أمام الأكراد هو تحويل ما يطمح الآخرون للسيطرة عليه إلى أداة تمكين واستقلال، لا إلى مصدر ضعف.”
في الوقت نفسه، تراقب المجتمع الدولي عن كثب: فالخطوة التالية للقيادة الكردية قد تعيد تعريف مستقبلهم الخاص، وأيضًا ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط بأكمله

