د. طارق جوهر سارمه مي

على امتداد أكثر من ثمانية عقود، لم يكن جبل قنديل مجرّد تضاريس صخرية شاهقة في شمال كوردستان، بل تحوّل إلى رمزٍ متجذّر في الوعي السياسي الكوردي، وفضاءٍ مفتوحٍ لإرادة الحرية، وقلعةٍ عصيّةٍ على الإخضاع. لقد تجاوز قنديل معناه الجغرافي ليغدو عنوانًا للصمود، ومدرسةً نضالية أعادت تعريف العلاقة بين الأرض والهوية والسياسة في كوردستان بأجزائها المختلفة.
قنديل: الجغرافيا التي صنعت التاريخ
تمتد سلسلة جبال قنديل عبر نقطة التقاء ثلاثي بين كوردستان العراق وتركيا وإيران، في واحدة من أكثر المناطق وعورةً وتعقيدًا جغرافيًا في المنطقة. هذا الموقع الفريد منح قنديل أهمية استراتيجية استثنائية، وجعله أحد أعمدة الجغرافيا السياسية الكوردستانية، إلى جانب جبال زاكروس وطوروس. غير أن القيمة الحقيقية لقنديل لا تكمن في تضاريسه القاسية فحسب، بل في تحوّله إلى مساحة مقاومة حيّة، استطاعت أن تُفشل، على مدى عقود، محاولات الإخضاع العسكري والسياسي رغم تغيّر الأنظمة وتبدّل أدواتها.
قنديل: ملاذ النضال وبناء الوعي السياسي
منذ منتصف القرن العشرين، شكّل جبل قنديل ملاذًا طبيعيًا للحركات الكوردية المناضلة في مختلف أجزاء كوردستان. ومن بين صخوره، انطلقت حركات مقاومة واجهت أنظمة سلطوية أنكرت الوجود القومي الكوردي، وسعت إلى طمس هويته عبر سياسات القمع والتذويب، وصولًا إلى حملات الإبادة الجماعية والأنفال.
لم يكن قنديل مجرّد موقع عسكري، بل تحوّل إلى فضاء لإعادة إنتاج الوعي السياسي الكوردي، حيث تبلورت مفاهيم النضال طويل الأمد، والعمل التنظيمي، وربط القضية الكوردية بسياقها الإقليمي والدولي.
قنديل والثورة الكوردية في العراق
في كوردستان العراق، ومنذ ستينيات القرن الماضي وحتى مطلع التسعينيات، لعب قنديل دورًا محوريًا في احتضان الثورة الكوردية ضد نظام البعث. ومن هذه الجغرافيا الصعبة، تخرّجت قيادات سياسية وعسكرية كان لها أثر بالغ في تاريخ العراق الحديث، وفي مقدمتها القائد الكوردي الراحل جلال الطالباني، الذي مثّل حضوره السياسي امتدادًا لذلك النضال الجبلي الطويل.
وقد أسهم هذا المسار في فرض القضية الكوردية بوصفها حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها، وتُوّج بانتفاضة عام 1991، ثم بإقامة الإدارة الكوردية، وصولًا إلى سقوط نظام صدام حسين remember عام 2003، في انتقالٍ رمزي للكورد من ساحات الجبال إلى قلب الدولة العراقية الاتحادية.
قنديل في الخطاب الإعلامي المعاصر: بين الرمز والتشويه
خلال المواجهات الأخيرة بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الجيش العربي السوري، برز خطاب إعلامي إقليمي، ولا سيّما في بعض وسائل الإعلام الرسمية العربية ومنصّات التواصل الاجتماعي، اتّسم بتبنّي مفردات تُسيء إلى التاريخ النضالي للحركة الكوردية، من خلال اختزال قنديل في توصيفات أمنية مثل «قولبة القنديليين» أو «الإرهابيين». وهي ذات المفردات التي درج الإعلام الرسمي التركي على استخدامها منذ عقود في إطار صراعٍ سياسي طويل مع الحركة الكوردية.
وخلال النقاشات التي جرت بين محللين كورد ونظرائهم الأتراك والسوريين، لوحظ أن كثيرًا من المداخلات التحليلية تبدأ بسيلٍ من المصطلحات الجاهزة، من قبيل «ميليشيات قنديل» أو «إرهابيي قنديل»، دون تفكيك سياقها التاريخي أو التمييز بين الخطاب الدعائي والواقع السياسي.
ويُظهر هذا النمط من الخطاب وجود فجوة معرفية واضحة لدى قطاع من النخب الإعلامية والسياسية العربية والتركية، تتعلّق بحقيقة النضال الكوردي في جبل قنديل، وبالدور التاريخي الذي أدّاه هذا الجبل بوصفه رمزًا للمقاومة ضد سياسات الإنكار، لا توصيفًا أمنيًا مجرّدًا. فقنديل، من حيث موقعه ودوره، يمثّل عقدة جغرافية – سياسية تربط بين ثلاثة أجزاء من كوردستان، ويشكّل أحد أهم المفاتيح لفهم ديناميات الصراع الكوردي – الإقليمي.
إن استيراد المصطلحات الإعلامية التركية وإعادة إنتاجها في الخطاب العربي، دون تمحيص نقدي، لا يسهم في مقاربة علمية للقضية الكوردية، بل يعيد إنتاج خطاب الإقصاء ذاته الذي شكّل جوهر الأزمة التاريخية بين الكورد والأنظمة المركزية في المنطقة.
مدرسة قنديل: الإنسان قبل السلاح
بعيدًا عن الاختزال الإعلامي، يُمثّل قنديل مدرسة فكرية وأخلاقية قبل أن يكون موقعًا عسكريًا. ففي هذا الفضاء الجبلي، تشكّلت شخصيات سياسية ترى في الصبر والانضباط والعمل الجماعي جوهرًا للنضال، وتتعامل مع القضايا الكبرى باعتبارها صراعًا طويل النفس، لا معركة عابرة.
خاتمة تحليلية
إن جبل قنديل ليس ماضيًا منتهيًا، بل عنصرًا فاعلًا في الوعي السياسي الكوردي المعاصر، ورمزًا لإرادة لم تُكسر رغم تغيّر الظروف والتحالفات. ومن دون فهم قنديل بوصفه ظاهرة تاريخية – سياسية، يصعب فهم طبيعة الصمود الكوردي في مواجهة أربع دول وأنظمة متعاقبة. فالتجربة الكوردية تؤكّد أن الجبال التي تصنع الإنسان الحر، قادرة – مهما طال الزمن – على إعادة تشكيل المعادلات السياسية في المنطقة.


