ينطلق الخطاب الشعري لمجموعة (النوم في محطة الباص) للشاعر (عبد الخالق كيطان)، من تنويعات فنية للتعبير عن الهمّ الإنساني وتراجيديا اللّحظة المعاصرة على وفق تدفّق شعري يرتكز على نوع من البوح والرصد لما هو يومي ومهمل، ورصد للمنعطفات الحياتية، ويتعمّق كثيراً في الاشتباك مع موضوعة الحرب وإدانة قبحها وغسيلها الدموي الرّث، ويرصد الشاعر غياب المعنى في الواقع المأزوم، وهذه الثيمات الإنسانية منحت نصوص (كيطان) نوعاً من الألفة والعفوية أحياناً، وعبرّت عن احتجاج ورفض ضمني، ولم يتعكّز الشاعر على قوّة وعمق المضامين بل سعى إلى جعل النص فضاء جمالياً يحتفي بعناصر الأداء التعبيري، من لغة وصورة وإيقاع.
ولعلّ من الخصائص الفنيّة الجلية في نصوصه اهتمامه بالبنية الإيقاعية للقصيدة وارتكازها على بنية اختزالية تحرر القصيدة من النزوع أو المنزلق الفائض، فالنص عنده بؤرة صوريّة وتعبيريّة مركّزة ولم تكن المجموعة تعبيراً عن موضوع أو مضمون أحادي، بل استطاع الشاعر أن يتوغل في عوالم وموضوعات وثيمات شعرية مختلفة، وهذا التنوّع المضموني جعل منها رؤية كليّة تتمركز على استنطاق الواقع وأزمة الإنسان، وأزمة الذات والآخر والبحث عن السؤال والرؤية والتوق إلى التناغم المفقود.
ويمثل عنوان المجموعة (النوم في محطة الباص) عنواناً، يميل إلى الانفتاح الدلالي السردي، ويعكس لقطة من لقطات اليومي والمهمل، ويحمل دلالة الانتظار والحياة العادية التي تستهلك طاقة الإنسان، وتجعله يلجأ إلى أمكنة قد تصله بالحياة وتعيد تشكيل وجوده، والعنوان يحيل إلى الذات والمكان بوصفه فضاء وجودياً، وليس مجرد حيز هندسي أو جغرافي، المكان هو الهوية والذاكرة والموشور الكاشف للمكابدة والانتظار والاستغراق في العادي واليومي؛ ففي نص (النوم في محطة الباص)، الذي استخدم عنواناً للمجموعة من باب اطلاق الجزء على الكل، يقول:
لم يكن غيري في محطة الباص/ بقيت انتظر/ وأنتظر
ولكن باص الساعة الواحدة لم يصل/ كنت متعباً/ وجائعاً
ولم أكن أفكّر بالمسرحيات..
كانت الساعة قد شارفت على طلوع الشمس..
لم يأت الباص/ ولم يكن في المحطّة غيري
سقطت السماء على رأسي بغتة
واستغرقت في النوم… (المجموعة: 12- 13).
يُعبّر النص عن واقع الضياع والانتظار واللاّجدوى، واقتران ضياع الذات في مكان عام هي إشارة إلى العوامل التي صنعت الفراغ والانتظار واللاّجدوى في الحياة المعاصرة، وهيمنة السكون والنوم والوحدة، ونشعر أن النص يقدّم هجاء معاصراً لإشكالية الاغتراب بكلّ صورها المكانية والسايكولوجية ولا يستبعد النص عن استلهام لرمزيّة هذه اللّحظة الحرجة من التمزّق.
وتماهياً مع هذا الاغتراب والضياع واللاّجدوى نلحظ الشاعر يضمّن المجموعة بأكثر من نص يتناول فيه موضوعة وتراجيديا الحرب، بوصفها الانعطاف الكالح والمعترك الرّث الذي يستهدف الإنسان والحياة ويسدّ أفق القادم بالكوابيس والعدميّة، ويقدّم لحظات العدم والسوداوية التي ينطوي عليها خطاب الحرب وتأثيرها في الذات الإنسانية، ومسخ الواقع كلّياً، تحت رغبة الإرغام والمحو، والتوّغل في وحشية تدمّر الذات والحلم، وتمسخ الجمال.
ويمزج الشاعر في نص (الحرب والقتل) بين شعريّة اللحظة الحرجة وبين السرد والبعد الدرامي، وتقديم المفارقة بطعم الأسى، وهو يقدّم مشهديّة تختزل القبح، وصناعة الموت المجاني والعبثي، ويركّز على الجسد بوصفه المستهدف للقضاء على الحياة برمتها، وتناول شخصيّة الجندي كرمز وعلامة على هذه العدميّة: “عاد الجنود من الحرب إلاّ واحدا…/ لقد بترت ساقة قذيفة
سقط على الأرض ينظر إلى ساقه القطيعة..
كانت الجثث تملأ المكان، وكان وحيداً يقاوم نهايته..
الجنود الذين عادوا لم ينسوه..
مرّت الساعات ثقيلة قبل أن يلفظ صاحب الساق الواحدة أنفاسه
الجنود الذين عادوا لم ينسوه..!!
كلّ جندي فيهم كان يتحسّس ساقه وينحب بصمت”. (المجموعة: 9).
جسّد النص مشهديّة بانوراميّة واختزل الموضوعة في تواتر سردي ودرامي مؤطر بنسق شعري، وهو يقدّم الصورة والفكرة، وإنّ الموت في الحرب هو موت جماعي وليس فردياً والتركيز على الجسد لأنّه هو الذي يخوض الحرب، ويخوض الموت، وإن الجنود لم يكونوا سوى أرقام، بل حتى الذين ظفروا بالحياة شعروا بأنهم مهدّدون بفقد سيقانهم! أو هم من دون سيقان، والشاعر بذلك يرصد زاوية فيها كثير من التكثيف والدلالة والإيحاء، لتقديم تراجيديا الموت والقضم في الحرب لأنها بلا رحمة تأكل الجميع، ويلجأ الشاعر في أكثر من نص إلى توظيف العلامة السيميائية في نصوصه، وذكر المرجعيات الدرامية، إذ يهتم بفكرة الصراع داخل النص، وتلك هي معطيات تكشف وتعبّر عن اشتغاله واهتمامه بالمسرح والنقد والدراما، ممّا جعله يوظف أو يستثمر هذه المرجعيات في نص (قصّة المرآة) إذ نجده يحيل المرأة إلى علامة سيميائية ويجعلها البؤرة المركزية في النص ويستغرق في انتاج الدلالات والمعاني المرتبطة بوجودها الواقعي والرمزي والإيحائي، وهذا مقطع من النص:
“لا يمكن أن يكون هذا من صنع الوهم، المرآة في مكانها، وعلى اليمين شجرة عملاقة، وعندما أدرت رأسي إلى الجهة الثانية لمحت الحصان يصهل بمفرده، لقد تحطّمت العربة على الجهة الأولى، وفرَّ الحصان إلى امرأة يعرفها”. (المجموعة: 7).
خلق الشاعر علائق وإحالات ترتبط بالدلالة السيميائية للمرآة، واقترانها بالحقيقة والوهم والحلم والمرأة والحريّة والتوق، وصاغ نوعًا من الاقتران الرمزي والإحالي بين المرآة والمرأة، والحصان والصهيل، وما يوحي كلّ ذلك من خلق فني واختزالات تكشف عن التوق والمعنى والبحث عن الذات المتشظية في لحظة فارقة، والنص كتب بطريقة سطريّة الكتابة، التي توحي بتماسك جمله وأفكاره.
ولعلّ السمة أو الظاهرة الفنيّة، التي تمركز حولها الخطاب الشعري في هذه المجموعة التي ارتكزت على البوح الاختزالي، إنْ صحّت التسمية، فهو يقدّم النص على وفق اشتراطات التكثيف، ويضع لمسات الصورة الشعريّة المعبرّة والموحية من دون ترّهل وفائضية مخلّة، ويقترب النص الشعري عند (عبد الخالق كيطان) من الصورة المركّزة، وبنسق (هايكووي) لا سيما في نص عنوانه يحمل إشارة إلى بلاغة التكثيف (حقل البلاغة):
“ستأفل شمسي مرّة/ ستكون الأخيرة
سيظل من ورائي طيف طفل/ يحبو عاريا…
فيما عشرات الفتيات يقهقهن…!!”. (المجموعة: 220).
نص مكثّف مختزل لكنه ينطوي على متوالية من الصور التي تؤسس لمعنى، وتحولات ومعان داخل الذات التي تنطوي على حضور الطفل، بوصفه الذات التي توحي بوجود الحياة، وما قهقهة الفتيات إلاّ إحالة إلى التوّق وديناميّة الوجود، والتواصل الذي يوحي بالتناغم والحياة، وإن الإنسان حين يفقد زهو وسحر كونه طفلاً فإنّه سيفقد ذاته ويبقى كائناً بلا طيف وبلا انتظار، لكنّ هذه الموضوعة صيغت على وفق اختزالية تعبيريّة، وانطوت على تأسيس منظومة من الصور، والإحالات لكي يكتمل الاختزال الدال للفكرة المهيمنة.
المصدر .. صحيفة الصباح

