نادراً ما يُنسبُ إلى الروايةِ صلةٌ وثيقةٌ بالفلسفة، وقد ترسَّخ في أذهانِ كثيرٍ مِن الناسِ أنَّ الفلسفةَ نخبويةٌ، والروايةُ شعبيةٌ، وهذا الموقف تأتَّى منذ القدمِ مِن نظرةِ الارتيابِ بالخيال؛ لكنْ هل الأمرُ كذلك بالفعل؟.
إنَّ بذورَ الروايةِ نمَتْ منذ القدم مع الفلاسفةِ المناهضين لأصلِ الرواية (الخيال)؛ فمع أنَّ أفلاطون كان منعَ الشعراءَ من دولتِه؛ لكنَّه استخدم الخيالَ وأسلوب السرد؛ في بعض حواراته!. وقد أشار أرسطو في كتابه “الشعرية” إلى وجود نوعٍ أدبيٍّ ليس له اسمٌ؛ ولكنه موجود في الأعمال الأدبية؛ بما في ذلك كتابات أفلاطون نفسِها. ويبدو أنَّ أرسطو كان بصددِ اكتشافِ نوعٍ أدبي؛ فهو يرى فئة لم تُصنف بعدُ. وإحدى نقاط قوةِ أرسطو براعتُه في تحديدِ الكيانات التي لم يظهرْ لها اسم.
أصبح إيسوب على نحوٍ متناقض حاكماً، ومصدراً للفكر، ومُشكِّلاً لما نسميه “ثقافة”، وتُعدّ حكاياتُه الخرافيةُ أساهماً عريقاً فيما نسمِّيه “أدب الحكمة”، ولكن على الرغم من “الدروس الأخلاقية في تلك الحكايات “ فهي ليست أدباً قائماً على المبادئ؛ فالقصةُ تطغى على المبدأ؛ والحكاية الإيسوبية شعبيةٌ بشكلٍ صارخ، وتربط الإنسان بالحيوان، وتسْخر من عالم السلطة، ومع أنها تُقدّم النصيحة ظاهرياً فهي تُظهر عجزها عن فعل شيء؛ حيال السلطة الكامنة وراء الأخطاء والفساد، وسيظل الذئبُ دائماً يُحاكم الحمَل.
يمكن التغاضي عن الحكاية الخرافية باعتبارها مُرّةً، وسلبيةً للغاية؛ وفي أحسن الأحوال؛ يمكن عدَّها فعلاً رافضاً مُعقداً. وأعتقد أنَّ غيابَ أيَّ مصطلحٍ مِن هذا القبيلِ لنوعٍ أدبيٍّ ما يُمكن تفسيره تاريخياً، لأنَّ الرواية كانت في طور “التكوين” أو “الابتكار” في تلك الأزمان، وأرى أنَّ الروايةَ الغربيةَ تاريخياً نشأت مِن رحم غزو الإسكندر المقدوني شرقاً، والذي أطلق العنانَ للكثير من الكراهية، والكثير مِن التاريخ الجديد، ودول جديدة، وقصص جديدة؛ تُطل على العالم.
كانت الرواية إحدى النتائج الثقافية لهذا التمازج، حيث اتَّحدت عناصرٌ كانت موجودةً في الأدب المكتوب مع قصصَ الأدب الشرقي: “أيونية”، ومصرية، وفارسية، وعربية، وحتى هندية، ولم يجد هذا المزيج الواعد وغير المستقر تعبيراً في الصيغ الشعرية للغة واحدة، فاتَّجهَ إلى ما نسمِّيه نثراً. لكنه لا يشبه نثر ثوكيديدس أو أفلاطون. فهو أقرب إلى التعدد اللغوي، ويُلمّح إلى وجود لغاتٍ وتقاليد أخرى، حتى وإن لم يقتبسْ منها مباشرة. ولغة الرواية عندما نراها باليونانية – وقد اكتملت – تُشبه لغة كاريتون( ) العامية، مع صور لا تُعبِّر عن الكلام بالأساليب البلاغية.
تُعدّ الحكايةُ الرمزية رفيقةً وثيقةً للرواية في هذه المراحل المبكرة وفيما بعد؛ ومع انتقالِ القصص من مكان لآخر؛ لعبت الحكايات دوراً هاماً؛ فتحوَّلت قصص إيسوب إلى نوع من الحكاية الرمزية، وإيسوب بصفته غريباً ومنبوذاً وأسود البشرةِ وعبداً، يتحول بشكلٍ متناقض، حاكِماً، ومصدراً للفكر، ومُشكِّلاً لما نسمِّيه “ثقافة”. وغني عن القول، كان ذلك يتعارض مع العلاقاتِ والوظائف التي حدَّدها أرسطو في كتابِ السياسة.
قد يكون بعضُ القراءِ لاحظوا أنني أتفق مع نيتشه الذي أعلن في كتابه “مولد التراجيديا” أنَّ سقراط وإيسوب دمرا النظرةَ المجتمعية القديمة مثَّلتها التراجيديا، الأمر الذي أدى إلى ظهور الرواية بدلاً منها. ورأى نيتشه أنَّ الفلسفةَ الغربيةَ التي تنبع من سقراط ضربٌ من ضروب الضعف يجمعها بشكل غريب مع الرواية. ويشير إلى أنَّ كليهما تعبير عن تفاؤلٍ ضعيفٍ ونزعة فردية، وكلاهما يتجنَّب إدراكَ الإنسانِ للقوى العظمى في الكون، وللوحدة الاجتماعية، وهذا الوضع لكلٍّ مِن الفلسفةِ والرواية – والذي يجعلَهما تبدوان سطحيتين- لا ينسجم على الأقلّ مع الفلسفةِ التي كانت أكثر ارتياحاً قبل نيتشه وبعده، في إعلانها عن جديتها وقوتها وكرامتها، في مقابل الرواية الخفيفة وغير المهمة والتي ستظل دائماً أنثوية!. ومع ذلك فثمةُ حقيقة فيما يقوله نيتشه:
تعيش الفلسفة أينما وُجدت مع الطبقةِ الأرستقراطية المترفة، أو في قاعاتِ الدراسة. وممارسة الفلسفة تكون منفصلةً عن فوضى الحياة؛ وهي تُنبذ النساء والأعمال الدنيوية (الروتينية)، وقد يُلمّح أفلاطون إلى بعض مَظاهر الحياة الدنيوية في بداية حواره، لأنه يُقدّم لاحقاً ملاذاً من عالمٍ ظاهريٍّ وحسيٍّ بحت. أمَّا الرواية، فتعيش في المطبخ وغرفة النوم والشارع والسوق، ولا تتجاوز حدود المألوف، ولا تُحلّق أبداً، وتكمن قوتها فيما تُتّهم به. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، لا يُمكنها أنْ ترتكبَ خيانةَ النيةِ؛ بتقديمِ حلولٍ مثاليةٍ أو عالمٍ خالد. قد يكون للرواية نوعٌ من الحب الخفي المثير لشفقة الفلسفة (والذي ينتهي دائماً بإفسادها)؛ لكنها تستمتع بدور العاشق المعذب، فضلاً عن أنها تمدُّ يدَها إلى الخرافةِ؛ في كثيرٍ من الأحيان، طمَعاً في أنْ تضعَ الخرافةُ شيئاً في تلك اليد الممدودة.
يعلن روسو في روايته إميْل عن معارضةِ الخرافة الإيسوبية، حتى عندما توجد في قصائد لافونتين الساحرة، لأنَّ الخرافة دنيوية، وذاتية للغاية. تقع “إميل” بين الرواية والرسالة الفلسفية، وبقدر ما تطمَح إلى الفلسفة، يجب أنْ توجِّه ضربةً للخرافة. ومع ذلك يجب أن يوفرَ الخطابُ الروائي ما يعادل هذا، لذلك يُظهر روسو المعلم وهو يختلِق الكثيرَ من الأكاذيب. وبمساعدة البستاني، وباستخدام النباتات بدلاً من الحيوانات، ينسج روسو قصته ليقنعَ الطفل بحقيقتها المزعومة وعواقبها الطبيعية، مع أنَّ هذه العواقب كانت خياليةً. لقد فرض روسو؛ بصفته مربياً على الطفل إميل حكاياتٍ تمثيليةٍ لمصلحته الشخصية، لكن روسو لم يتخلصْ من الحكايات، بل ابتكر حكاياتِه الخاصة.
يدرك الأدبُ القصصي أنَّ الحكايةَ الرمزية مؤثرةٌ، وأنها تحمل الشحنةَ التي تنشدها، وفي الوقت نفسِه تدرك الرواية النثرية أنَّ الحكاية الرمزية تفتقر إلى ما تسعى الروايةُ دائماً إلى تقديمه، وهو اكتمال الشخصيات.
إنَّ طبيعة الرواية؛ بلْه طبيعتَها الفلسفية؛ هي الرغبةُ الدائمةُ في المزيد، وهنا يكمُن مفتاحُ الطبيعة الفلسفية للرواية؛ وهو نهمها للشمول والتطوير. يقول الفيلسوف مُنهياً حكايته على عجل؛ ليتمكن من مواصلة عمله: “هذا كل ما تحتاجون إلى معرفته؛ من وجهة نظري. وتصرخ الرواية: “انتظر، انتظر! أريد أنْ أعرفَ المزيد، ولا يهمني ما تقصده؛ فقد لا تكون وجهةُ نظرِك صحيحةً؛ إذا عرفنا المزيد. دعْنا نختبرها بالتوسيع”، والتوسيع انحراف مزعج للفيلسوف؛ أمَّا لدى للروائي فهو نَفَسُ الحياةِ.
إنّ الرواية تميل نحو الحبِّ، وإن كنتُ لا أرغبُ في أنْ يُفهم هذا الشعور بالعاطفية المفرطة؛ في العالم الحديث. هي بالطبع “عاطفية” بالمعنى الفلسفي الذي كانت تحمله الكلمة؛ أوائلَ القرن الثامن عشر؛ فالعقل قادر على إيجاد كلمات للتعبير عن التجربة، ليس عن الإحساس والتأمل فحسب، بل عن العاطفةِ أيضاً. “العاطفة” نقطةُ التعبير؛ حيث يتشكّلُ ما كان غير مكتمل، ولكن بشكل شخصي.
إنَّ الشخصَ الذي يُفصح عن مشاعره حتى لو بتلعثم ودون اكتمال، يُثري رصيدنا المعرفيِّ، والاستماع إلى شخص ما؛ نوعٌ من الحبّ تجاهه، وإنْ لم يكن حبّاً شهوانياً أو رابطاً عائلياً. قد يكون حباً خفيفاً، ولكنه يُقرّ بالجانب الشخصي.
الروايةُ مليئةٌ بالشخصياتِ الثرثارة التي تكشف عن نفسِها، وتُظهر حقيقتها. شخصيات الرواية متواضعةٌ. وهناك دائماً سبب يدفعنا إلى الاستخفاف بها إنْ شئنا، وحتى الشخصيات الجديرة بالإعجاب ترتكب حماقات، ومع ذلك ندرك بطريقةٍ ما أننا نُفتن بشعورنا بالدونية المزعومة، لذا لا يُبعدنا ميلنُا للحسد عن الكتاب. وعلى مستوىً ما؛ علينا أنْ نثقَ بالشخصيات، لاسيما تلك التي تروي أحداثها بنفسها، وهذه الثقةُ هي محاكاةٌ للعاطفة. وعلاقتنا بالرواية؛ على عكس علاقتنا بالفلسفة؛ لا يمكن أنْ تسيرَ دون استجابةٍ عاطفية.
يتضمَّن الموقف الفلسفي الخاص للرواية فكرة أنَّ العقلَ لا يُمكن إدراكه إلا مِن خلال العواطف، وهذا لا يعني أنَّ الروايةَ تُقرُّ بأنَّها مُنفصلةٌ عن عوالم الفهم، فكما تقول فرانسيس بيرني في مقدمة رواية “الرحالة”، الروايةٌ شكلٌ من أشكال “المسح الفكري”. وترتبط بالتاريخ ارتباطاً وثيقاً، لكن فكرة الرواية عن المسح الفكري للتاريخ هي تاريخٌ حاضرٌ، وحيويٌ، ومعقدٌ، ويصدق هذا حتى عندما تضطر الروايةُ إلى إخفاء طبيعتها المعاصرة لأسبابٍ رقابية، واستبدال واقعها بزمن ماضٍ؛ مجازيٍّ زائف.
اتخذ نقادُ الأدبِ الذين تعلَّموا مِن الأدبِ نفسَه خطوةً مماثلة، كما فعل باختين عندما كتب عن رابليْه وعصر النهضة والكنيسة، بينما كان في الواقع يناقش القمعَ في الاتحاد السوفيتي؛ فالزمنُ التاريخيُّ ليس فقط نشطاً ومعقداً في الوقت الحاضر، بل هو أيضاً مليءٌ بالمعاناة، وبعض هذه المعاناة ناتجٌ عن بُنى بشرية، ونتاج نظامي، وليس مجرد ظواهر الصدفة والطبيعة.
يبدو أنَّ الرواية دون غيرها هي التي علَّمتنا أنْ نفكرَ ليس في أنَّ أنماط الحياة الاجتماعية قادرة على تفسير سلوك الناس فحسب، بل أيضاً في أنَّ ما نسمِّيه الشخصية الفردية يخضع للآليات الاجتماعية والسياسية، وليس هذا فحسب؛ بل من المرجح أنْ تتشوه الشخصية بفعل هذه الآليات، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية.
قد يُظن أنَّ هذا الاكتشافَ كان من إبداعِ أدبِ القرن التاسع عشر؛ إذ قطع أدبُ هذا القرن شوطاً كبيراً في استكشافات لا تخصَّ العلاقة بين الفرد والمجتمع فحسب؛ بل أيضاً الطرق التي يمكن أنْ يؤثر بها هذا المجتمع على الفرد، لكني أعتقد أنَّ هذا الاكتشافَ كان متوافِقاً مع الروايةِ منذ البداية.
ما يُثير الكآبةَ في الرواية؛ من وجهة نظر فلسفية ضآلةُ مساحةِ التفكير الحرِّ فيها؛ ولا توجد زاويةُ نظرٍ شاملةٍ لرؤية الصورة الكلية. قد يكون كلٌّ من الشخصية والراوي مُقيَّداً بآلاف القيود التي تُقيِّد الزمان والمكان والميلاد والتوقعات، والمال والطبقة الاجتماعية والجنس والوضع القانوني، فضلاً عن العادات والمعتقدات حول القيمة وعدمها.
هل من المستغرب أنْ يكون العديدُ من شخصيات الروايات أبناء غير شرعيين؟، إنّ هذا النوع من الأبناء ينظر بعين الشك إلى كيفية تصنيف الناس وتقسيمهم. وإذا لم يكونوا كذلك بالفعل فإنّ شخصياتِ الروايات غالباً ما تكون مُهجّرة، أو في غير موضعها، تتنقل صعوداً أو هبوطاً على السلم الطبقي. إنَّهم يطالبون بوضوحٍ بحقوقٍ مختلفة عن تلك المعترف بها، بل إنهم يمرون بتحولات شخصية لا تتوافق مع الأشكال التي يفرضها القانون والعادات؛ فهم دائماً ما يُعثر عليهم يتسكعون فيما يسمِّيه علماءُ الأنثروبولوجيا “حالات انتقالية”، حيث لا يوجد ما يُقابل حدود هذه الحالة الانتقالية في العادات الدينية أو الاجتماعية التي يعتزُّ بها علماء الأنثروبولوجيا.
قد تردُّ الروايةُ بنبرةٍ حزينةٍ بأنها مولعةٌ بالفلسفة، ولطالما احترمتها؛ فالفلسفة تُزوّد الشخصيات والروائيين بأنظمةِ فهْمٍ للعالمِ ولأنفسهم، ومن منظورٍ ما؛ تُشبه الرواية (أو الروائيون) الطلابَ الذين يحضرون استقبال أستاذٍ عظيم؛ فيتقافزون بحذر، وعندما تُجهز المائدة ينقضّون عليها بخفةٍ، ويأخذون ما يستطيعون من طعام، على الرغم من أنَّ الوليمةَ لم تكن مُعدّة لهم، وبعد أنْ شبعوا بكلِّ ما يحتاجونه من الفلاسفة، وارتشفوا من النبيذ المجاني. وهكذا تنطلق الروايةُ مسرعةً وتلتهم جزءاً من كيانها الغريب والمتنوع، إلى جانب وجبات خفيفة أخرى التقطتها من التاريخ والفنون الجميلة، وعلم النفس ودراساتٍ أخرى، لكنها لا تُكنّ أيَّ ولاءٍ لهذه المجالاتِ؛ فالروايةُ لا تُكنّ ولاءً إلا لندائها الغريب.
تسعى الروايةُ وراء الحقيقة؛ ولكن ليس كما يسعى إليها الفلاسفة؛ لذا ستكون في نهاية المطاف على خلافٍ ميؤوس منه؛ مع الدراسةِ الرسمية للفلسفة، مهما كثرت الروابط، ولا يمكنها أنْ تؤمنَ بنقاءِ العقل الخالي من الشوائب المادية. وفلسفةُ الروايةِ الإشارةُ إلى التجربةِ الجسدية والعقلية والعاطفية، التي تحدث في آنٍ واحد، إنها تضع العقلَ في المركز، وهذا صحيح، وفي هذا تشبه الروايةُ الفلسفةَ، ولا قيمة للرواية بدون عقل الراوي، وعقل الشخصية.
من متع قراءة الرواية التواصلُ مع العقل … مع ذلك الصوت السردي. لا أرغبُ في سماعِ قصة ناتاشا والأمير بولكونسكي فحسب، بل أريد سماع تولستوي يرويها، ولا يهمني أنْ أعرفَ أنَّ دوللي وستيفا أوبلونسكي تعيستان، بل أريد سماعَ تولستوي يقول لي: “العائلات السعيدة كلها متشابهة…”. قد لا أؤمن بهذه المقولة، لكنني أحب هذا الصوتَ.
نتوق إلى المتعةِ الفكرية للجمل التي يُنقل فيها الصوتُ والرؤية، ولا أعني أننا نرغب فيه كصوتٍ واعظ ؛ مع أنه قد ينزلق إلى الفلسفةِ أو الحكمة، مُحققاً تأثيراً جيداً، كما فعل تولستوي في الجمل الافتتاحية لروايةِ آنا كارنينا. لكننا نُقدِّر الصوتَ يصدر مِن شخصٍ ما، لا كمعرفةٍ مجردة، أو مجردة من الجسد، ولا يشترط أنْ يكون الأسلوبُ فخماً أو رسمياً، طالما أنه يُقدِّمُ أفضلَ تعبيرٍ ممكن للصوت، وأنسب ترتيب للكلمات؛ يُناسب تلك الشخصية المُتخيلة.
وفي الوقت الذي نُدرك فيه أنَّ الصوتَ مُختلقٌ نُدرك أيضاً أنَّه حقيقيٌّ. نريد أنْ نسمعَ عن الناسِ من خلال شخص، وقد نحصل على الرضا من قراءة أفلاطون أو كيركغارد؛ وهذا صحيح، لأنهما مُتحدثان، لكن ليس مِن الضروريِّ أنْ يكون الفيلسوفُ جميلاً أو غريباً. يجب أن تُؤدي جمل الرواية وظيفةً أخرى؛ إلى جانب التلفظ بحقائقَ مُفترضة (والتي نعلم أنها مُختلقة)؛ فالرواية في جوهرها شعرية. ووفقاً لأرسطو فهي بالتالي مُتحررةٌ من ضروراتِ كلٍّ من الفلسفةِ والتاريخ. وبفضل تحرُّرها من كليهما تستمتع الروايةُ بهاتين العظمتين وترفضهما في الوقت نفسه. مع أنْ لها ولاءها الخاص للتاريخ، وقد استكشفَ كتّابٌ مثل سكوت ومازيني العلاقةَ بين ما نسمِّيه أحداثاً وظروفاً تاريخية وأشخاص عاشوا خلالها.
يُسيطر الزمن على الروائيين، وإن لم يكن بالقدْر الذي أثّر به على أوغسطين في كتابِه “الاعترافات”، إلا أنَّ ذلك يعود إلى أنَّ الرواية تُقرّ بأنَّ الروحَ الإنسانية – أو ما نسمِّيه الشخصية الإنسانية – لا تنفصل عن الزمن. وهذا يعني أنَّ العقلَ مُقيدٌ ومُنقادٌ للزمن، وخاضعٌ له؛ ولا نجد العقلَ أو الإنسانَ في كمالٍ منفصل، بل نرى بشراً يُصارعون الزمن، ومُقبلين على الموت.
تُفنِّدُ الرواية فكرة المثالية المُتعالية، ومِن المستحيل إيجاد عقلانية مُطلقة فيها! هكذا تقول الرواية. في بداية روايتها “كبرياء وهوى”، تسخر جين أوستن من النبرة الفلسفية قائلةً: “إنها حقيقة مُسلّم بها عالمياً…”. أين ستكون الفلسفةُ لولا إيمانُها الجوهريُّ بالحقائق الأزلية التي يُسلّم بها عالمياً، على الأقل من لدن كلِّ عقل سليم ومنطقي؟. لا يمكن للرواية أنْ تتصورَ وجودَ حقيقةٍ مُسلّمٍ بها عالمياً بالفطرة، وحتى أنواعها الخاصة من “الحقائق”، التي لا يمكن أنْ تكونَ بديهية ومباشرة، بل هي استنارات جزئية، متناقضة أحياناً، ومتاحة من خلال التجربة. ونحن لا نصلَ إلى المعقول ولا إلى الحقيقة المُسلّم بها عالمياً، ولا إلى الخيار العقلاني الخالي من العواقب. لا يمكننا أنْ نحومَ فوق الأرض، وسنعود دائماً إلى أرض الواقع، غارقين في إحباطات الإنسانِ وصراعاتِه ورغباته الجسدية والنفسية، وتطلعاته وآماله.
إنّ ما هو طارئ هو عالميُّ، وهذا هو الموقف المركزي الحقيقي للرواية، وموقفها الفلسفي الحقيقي والمتناقض يقول: «لا توجد كلياتُ مطلقة، وإذا وُجِدت؛ لكانت العواقب هي جوهرها».
سبق أن ذكرتُ أنَّ الروايةَ أقربُ إلى طقوس دينية منها إلى خطابٍ فلسفي، فالروايةُ بنظرتها الشكّية إلى الفلسفة تُدرك أنه على الرغم من متعة تخيّل الأشياء في حالة منفصلة أو نقية، فإنّ هذه الكائنات غير الموجودة تُعدّ ضرباً من الخيال الجامح، أكثر مِن رجل يتحوّل إلى حمار. تُلقي الفلسفة بالكثير من الأشياءِ في البحر، لتُصبح سفينة أنيقة تُبحر بسرعة. ويُمكننا أن نتخيّل الروايةَ وهي تُطارد. ولا ترغب الرواية في إغفالِ أيِّ شيء، وتظنّ في قرارة نفسها أنَّ الفلسفةَ لا تُسمّي «الحقيقة» إلا ما يتبقى لديها؛ بعد إلقاء هذه الأشياء؛ بعيداً.
تقول الرواية “انتبهوا يا رفاق!”: “الحقيقةُ أصعب مما تتصورون، ويبدو أنكم تهربون منها بشدة. تخلصوا من افتراضاتكم. اتبعوا منهجي في البحث، مهما بدا غيرَ منظمٍ لأعينكم المتفحِّصة. ادخلوا الرواية واولدوا من جديد؛ موتوا وادخلوا العالم السفلي واصعدوا من جديد. انتبهوا للأرض في رحلاتكم الفوضوية، للحطام والقمامة، للطين الخصب، تعلموا الاستمتاع بما هربتم منه، لأن حقيقتي هي أن كل شيء مهم. ستلتقون بأشخاص مثيرين للاهتمام. من فضلكم اهتموا بهم لبعض الوقت.
وتقول لنا الروايةُ أيضاً: لن تعرفوا ما هي حقيقتي إلا عندما تخضعون لها، وإنَّ إحدى “حقائقي” أنَّ كلَّ اكتشافٍ يجب أنْ يكون ناقصاً. وقد تُدفن شخصياتي أو تتزوج في نهاية المطاف، للوصول إلى نهاية ما، فليس هناك كتابٌ بشريٌّ لا نهايةَ له، لكنني سأضمن ألَّا ترى مكاناً آمناً للراحة، وأن تنتهي كما قال صموئيل جونسون، بـ “خاتمة لا تُختتم فيها أي شيء”. فنهاية الحكاية ليست هي نفسها الخاتمة الفلسفية، ونهاية حياتك لن تكون على الإطلاق هي نفسِها نهاية فقرتك.
مارغريت دودي
ترجمة: د. فارس عزيز المدرس
صحيفة الصباح

