کتابة شارۆ عباس
ترجمة عباس عبدالرزاق
حين كشفت الصحفية البريطانية Frances Stonor Saunders في كتابها The Cultural Cold War كيف أدارت Central Intelligence Agency شبكة واسعة من المجلات والمؤتمرات والمؤسسات عبر Congress for Cultural Freedom، بدا الأمر وكأنه فصل مغلق من التاريخ. لكن الحقيقة أن ذلك الفصل لم يُطوَ؛ بل تحوّل إلى نموذج دائم لإدارة الوعي في العالم الحديث.
الحرب الباردة لم تكن صراع صواريخ فقط، بل صراع سرديات. ولم تكن المعركة على الأرض بقدر ما كانت على تعريف “الحرية” واحتكار تمثيلها. واليوم، في شرق أوسط مضطرب، تعود الأسئلة ذاتها بثوب جديد: من يموّل الخطاب الثقافي؟ ومن يحدد أجندته؟ ومن يرسم حدود الممكن في النقاش العام؟
ما بعد الحرب الباردة:
تعددية ظاهرة… واستقطاب خفي
سقط الاتحاد السوفييتي، لكن منطق الاستقطاب لم يسقط. لقد تغيرت أدواته.
لم تعد المواجهة بين كتلتين أيديولوجيتين واضحتين، بل بين شبكات مصالح عابرة للحدود: دول، مؤسسات مانحة، صناديق تمويل، مراكز أبحاث، منصات إعلامية، ومنظمات مجتمع مدني.
في بغداد وأربيل وبيروت وعمان، كما في عواصم المنطقة، يتشكّل المجال الثقافي تحت تأثير تمويل خارجي مباشر أو غير مباشر. المنح، برامج التدريب، الشراكات الأكاديمية، دعم الفنون والمهرجانات، كلها تبدو مظاهر انفتاح وتحديث. لكن السؤال السياسي لا يتعلق بالنيات، بل بالبنية: هل يمكن لخطابٍ أن يكون مستقلاً إذا كان وجوده مشروطاً بتمويل ذي أولويات محددة سلفاً؟
التمويل لا يفرض نصاً مكتوباً مسبقاً، لكنه يحدد الإطار الذي يُسمح داخله بالكتابة. وهنا يكمن جوهر المسألة.
صناعة “البديل المقبول”
خلال خمسينيات القرن الماضي، جرى في أوروبا دعم “يسار غير شيوعي” ليكون بديلاً يُواجه موسكو من داخل الفضاء الثقافي نفسه. الفكرة لم تكن القضاء على التعددية، بل توجيهها. لا قمع الصوت المعارض، بل احتواؤه.
اليوم، نرى صيغاً مختلفة للآلية ذاتها.
تُدعَم نخب توصف بأنها “معتدلة” أو “إصلاحية”، وتُهمَّش أخرى بحجة الراديكالية أو عدم الواقعية. يُعاد تعريف مفاهيم مثل “الإصلاح” و“الاعتدال” و“الحداثة” ضمن قوالب متوافقة مع توازنات إقليمية ودولية.
النتيجة ليست مؤامرة شاملة كما يتصور البعض، بل شبكة تأثير ناعمة تعيد تشكيل أولويات النقاش العام. وهنا يتقاطع التاريخ مع الحاضر: الثقافة تتحول إلى مجال إدارة إدراك، لا إلى فضاء حر بالكامل.
القوة الناعمة… أم إعادة تشكيل المعنى؟
نظّر Joseph Nye لمفهوم “القوة الناعمة” بوصفها قدرة الدول على الجذب بدل الإكراه. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن الجاذبية نفسها قد تكون نتيجة تصميم طويل الأمد.
في منطقتنا، تتنافس قوى دولية وإقليمية على التأثير في:
-
المناهج الجامعية
-
برامج تدريب الصحفيين
-
تمويل مراكز الدراسات
-
الفضاء الفني والثقافي
كل ذلك يحدث تحت شعارات نبيلة: التنمية، الديمقراطية، تمكين المرأة، مكافحة التطرف، التحديث الإداري. وهي أهداف لا خلاف على أهميتها. غير أن الإشكال لا يكمن في العناوين، بل في سؤال السيادة المعرفية: هل ننتج أولوياتنا بأنفسنا، أم نتبنى أولويات صيغت في أماكن أخرى ثم نعيد تكييفها محلياً؟
بين الارتهان والانغلاق
الاستقلال الثقافي لا يعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الارتهان.
المشكلة ليست في التعاون الدولي، بل في غياب الشفافية وغياب التمويل المحلي المستقل.
حين تعتمد الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام بشكل شبه كامل على دعم خارجي، يصبح النقاش العام عرضة لإعادة التشكيل وفق ميزان القوى العالمي. وحين تعتمد بشكل كامل على تمويل سلطوي داخلي، تقع في قبضة رقابة أخرى.
المعضلة إذن مزدوجة:
كيف نحمي الثقافة من هيمنة الخارج دون أن نسلمها لاحتكار الداخل؟
بيان من أجل سيادة الوعي
إن الدفاع عن الاستقلال الثقافي اليوم هو دفاع عن السيادة الرمزية للمجتمعات.
وهو يتطلب:
-
1. شفافية كاملة في مصادر تمويل المؤسسات الثقافية والإعلامية.
-
2. بناء صناديق دعم وطنية مستقلة للفكر والفنون.
-
3. تشجيع تقاليد نقدية تضع كل سلطة — خارجية أو داخلية — تحت المساءلة.
-
4. تحرير الجامعات من الاستقطاب السياسي المباشر وغير المباشر.

