تتواصل في العراق حالة التعثر السياسي بعد إخفاق مجلس النواب في حسم استحقاقي انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس مجلس الوزراء، ما أعاد إلى الواجهة الحديث عن دخول البلاد مرحلة جديدة من ” الانسداد السياسي ” ، وسط تباين في مواقف القوى السياسية وتحذيرات من مراقبين بشأن تداعيات استمرار الأزمة.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث لا تزال الكتل النيابية عاجزة عن التوصل إلى توافق يضمن استكمال المسار الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة، في وقت تؤكد فيه أطراف سياسية أن الحوارات ما تزال مستمرة وأن فرص التفاهم لم تُستنفد بعد.
تعثر انتخاب رئيس الجمهورية
ينص الدستور على أن انتخاب رئيس الجمهورية يمثل خطوة أساسية تمهد لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، إلا أن مجلس النواب لم يتمكن حتى الآن من إتمام هذه الخطوة بسبب الخلافات بين القوى السياسية، سواء داخل المكون الواحد أو بين المكونات المختلفة.
وفي المقابل يشير نواب إلى أن الخلافات تتركز حول آلية التوافق على المرشحين وتوزيع المناصب ضمن ما يُعرف بالتوازنات السياسية، في حين يرى آخرون أن الأزمة تعكس انقساماً أعمق بشأن شكل الحكومة المقبلة وبرنامجها.
خلافات داخل التحالفات
داخل “الإطار التنسيقي “، برزت خلافات بشأن مرشح رئاسة الوزراء، لاسيما بعد طرح اسم نوري المالكي، وهو ما أثار تبايناً في المواقف بين قوى التحالف نفسه، فبينما يتمسك أنصاره بحقه في الترشح باعتباره زعيماً سياسياً ومرشحاً محتملاً، ترى أطراف أخرى أن طرح اسمه قد يعقّد مسار التفاهمات ويؤخر الوصول إلى تسوية شاملة، خصوصا بعد تدوينة الرئيس الأميركي ” دونالد ترامب “.
ومن جهة اخرى تؤكد قيادات سياسية من قوى مختلفة أن الحوارات لم تتوقف، وأن هناك مقترحات مطروحة للتوصل إلى اتفاق متكامل يشمل الرئاسات الثلاث دفعة واحدة، تجنباً لمزيد من التعطيل.
تحذيرات ومبادرات
وفي السياق ذاته يرى مراقبون سياسيون أن الأزمة الحالية تتجاوز الخلاف على الأسماء إلى الإشكاليات البنوية التي تتعلق بآليات إدارة النظام السياسي، وطبيعة التوافقات التي تحكم تشكيل الحكومات منذ عام 2003،ويعتبر بعضهم أن استمرار الانسداد قد ينعكس على الأداء الحكومي والخدمي ويؤثر في ثقة الشارع بالعملية السياسية.
وفي هذا السياق، أطلقت شخصيات أكاديمية وثقافية مبادرة تحت اسم “عراقيون”، دعت فيها إلى تغليب المصلحة الوطنية وتشكيل حكومة قادرة على معالجة الأزمات بعيداً عن التجاذبات، محذرة من أن إطالة أمد الخلافات قد تزيد من حالة الاحتقان.
دور القضاء
ولتواجز هذه المرحلة، تتجه الأنظار إلى المحكمة الاتحادية العليا بوصفها الجهة المخولة بتفسير النصوص الدستورية والفصل في النزاعات ذات الطابع الدستوري، ويرى مختصون في القانون الدستوري أن تفعيل الآليات القانونية قد يسهم في وضع أطر واضحة لمعالجة التعقيدات الإجرائية، فيما يحذر آخرون من تحميل القضاء مسؤوليات سياسية تتجاوز اختصاصه، وفي الوقت ذاته، يجري تداول سيناريوهات متعددة، من بينها تكثيف المفاوضات للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، أو اللجوء إلى حلول انتقالية مؤقتة ريثما يتم الاتفاق على الصيغة النهائية للحكومة المقبلة.
أزمات قابلة للحل
ووسط كل هذا وذاك، بعض القوى على الساحة تصف ما يجري بأنه ” أزمة تفاوضية قابلة للحل “، ويرى مراقبون أن استمرار تعثر انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء يضع العراق أمام اختبار سياسي جديد يتطلب تنازلات متبادلة وإرادة توافقية واضحة، وفي ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب الانفراج، تبقى المشاورات الجارية العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو تسوية سياسية تعيد تفعيل المسار الدستوري، أم نحو مرحلة أطول من الجمود السياسي، في مشهد يترقبه الشارع العراقي باهتمام وحذر على أمل الوصول إلى شاطىء الأمان .

