فؤاد عثمان/ صحفي و ناشط في مجال الابادة الجماعية
إن استعادة الرفات الزكية لضحايا عمليات الأنفال يخفف من وطأة الألم واللوعة التي خلّفتها تلك الجريمة النكراء في نفوسنا ذويهم و الكورد اجمع
قبل ثمانية وثلاثين عاماً، وتحديداً في الثاني والعشرين من شباط عام 1988، بداء نظام البعث البائد بتنفيذ المرحلة الأولى من حملات الأنفال الوحشية سيئة الصيت في إقليم كوردستان، استهدفت هذه المرحلة منطقة “وادي جافايتي”، حيث تعرضت عشرات القرى لهجوم بربري وحشي، أسفر عن وقوع آلاف القتلى، وناهيك عن آلاف اخرين من الذين سيقوا قسراً نحو مصير مجهول في عمليات عسكرية، متخذا من سورة ” الأنفال ” في القرآن الكريم عنوانا لها، والتي جردت تماما من كل القيم الإنسانية،.
أصحبت هذه المرحلة تمهيدا لمراحل الانفال الثمانية التي شملت كوردستان كافة، بدءا بوادي جافايه تي مرورا بكرميان و سهل كويه و قرداغ و مناطق اربيل وصولا الى بادينان حيث خاتمة الانفال، وصُنفت هذه الجرائم كأبشع جرائم العصر؛ إذ راح ضحيتها أكثر من 182 ألف إنسان بريء، ودُمّرت 4500 قرية وبلدة كوردستانية، ومُحيت فيها كل آثار الحياة( كما جاء في احدى الوثائق للنظام فيما بعد) بدءاً من حرق الأشجار والبساتين وصولاً إلى تدمير الينابيع ومصادر المياه، وتحويل تلك المناطق إلى مناطق محرمة يُمنع على أصحابها حتى زيارة قبور أحبتهم في مسقط رؤوسهم.
لقد بدأ النظام البائد حملته تلك بخطة مدروسة و مخطط لها مسبقا، مستخدماً ترسانة عسكرية ضخمة وأسلحة متطورة ومحرمة دولياً للهجوم على منطقتي “دوكان” و”جافايتي”. واستمرت العمليات العسكرية في تلك المرحلة حتى الثالث عشر من آذار 1988، ورغم حجم القوة و امكانياتها العسكرية الهائلة، سطرت قوات البيشمركة ملحمة صمود سيذكرها التاريخ أبد الدهر، حين صدوا هجوما للنظام القمعي لمدة 28 يوماً، مدعومين بهمة وبصمود أهالي المنطقة الذين سجلوا تاريخاً حافلاً بالأمجاد، ولم يتمكن النظام من التقدم إلا بعد استخدامه للأسلحة الكيماوية الفتاكة المحرمة دوليا، وقد أسفرت هذه الهجمات عن استشهاد الآلاف وتغييب المئات من العائلات في مقابر جماعية مجهولة، فضلاً عن تدمير أكثر من 30 قرية في وادي جافايه تي وتشريد وأنفلة أكثر من ألف مواطن.
بعد سقود النظام وتحديدا في عام 2004، تم العثور على مقبرتين جماعيتين لضحايا تلك المرحلة من الانفال في ضواحي الموصل، وبتعد فتح هاتين المقبرتين بحضور دولي تم نُقل الرفات إلى احضان ارض آبائهم لتوارى الثرى في نصب شهداء الأنفال بقضاء دوكان.
وبدوره أوضح الباحث الدولي والخبير في المقابر الجماعية “مايكل روبن” في شهادته أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا حول هاتين المقبرتين بأن المقبرة المسماة (نينوى 2) ضمت رفات 123 شخصاً، بينهم 25 امرأة و98 طفلاً دون سن الثالثة عشرة، وكان من بينهم جنين في رحم أمه، مشيرا الى عمق المقبرة التي تبلغ 3.5 متر وهذا يعكس نية النظام في طمس معالم الجريمة وإخفائها نهائياً .
أما المقبرة الثانية بحسب روبن، (نينوى 9)، فقد ضمت رفات 94 رجلاً بالغاً، وهذا ما يؤكد شهادات الناجين من المقابر و شهود عيان حول عزل الرجال عن النساء والأطفال قبل تصفيتهم، وما يزال هناك عدد كبير من الضحايا في عداد المفقودين حتى يومنا هذا.
وفي هذه الذكرى الأليمة، ، أرى من الضروري تكريس إمكانياتنا كافة لدعم ذوي المؤنفلين وكشف مصير المؤنفلين وإعادة الرفات الطاهرة لهم، وعلى الجهات المعنية بالبحث وكشف وإعلان المقابر الجماعية المتبقية.
يشار إلى انه خلال المدة الماضية تم فتح مقبرتين جماعيتين في تل شيخية و تم إعادة 172 في الاولى و 153 في الثانية، وهناك 7 مقابر مشخصة في منطقة “تل شيخية” لم يتم فتحها لحد اللحظة، لذلك نؤكدة مرة اخرى ضرورة البحث والتنقيب بإشراف منظمات دولية وبطرق علمية موثقة لكي تمنح العملية طابعا دوليا .
ولأجل تحديد هوية الضحايا، من الضروري إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA). ،مثمنا الجهود التي بذلتها الفرق المشكلة من مؤسسة الشهداء و دائرة الطب العدلي وبالتعاون مع سيدة العراق الأولى (شاناز إبراهيم أحمد) في أخذ عينات من ذوي الضحايا في منطقة “جمجمال و سهل كوية. كما نأمل توسيع هذه العملية وتخصيص ميزانية كافية لها ضمن الموازنة العامة الاتحادية لإنشاء “بنك معلومات جيني” شامل لجميع ذوي الضحايا في كوردستان، لضمان سرعة المطابقة والتعرف على الرفات فور اكتشاف أي مقبرة جديدة.
وفي هذا السياق، نناشد مجلس النواب العراقي وبرلمان كوردستان بسن تشريعات تقضي بفرض عقوبات رادعة على كل من ينكر جرائم البعث أو يمجد ذلك النظام الدموي، أو يحاول تصوير حقبته المظلمة بصورة إيجابية للأجيال الناشئة. من الضروري تعديل قانون حماية المقابر الجماعية رقم 5 لسنة 2006 المعدل، بما يضمن دوراً محورياً لإقليم كوردستان في كافة مراحل البحث والتنقيب وصولاً إلى مراسم الدفن اللائقة.
كما ندعو إلى تكثيف الجهود لتدويل جرائم الجينوسايد (الإبادة الجماعية) المرتكبة ضد شعبنا، نظراً لاكتمال أركان الجريمة وفق المعايير الدولية. ومن الضروري أيضاً إدراج هذه القضايا في المناهج الدراسية بشكل مكثف لتعريف الأجيال القادمة بهذه الفظائع ، وفي هذه باشرت وزارة التربية الفدرالية بادخال جرائم النظام الدموي في كتاب منهجي مشيرة الى جرائم الابادة الجماعية للكورد بشكل هامشي دون تعمق في ادراج هذه الجرائم بشكل وافي. وعلى الوزارة بمراجعة المناهج التربوية لتعكس حقيقة ما جرى اكثر دقة و وضوحا.
وختاماً، ولتضميد جراح ذوي الضحايا، نطالب بملاحقة كافة المتورطين في جرائم الأنفال الواردة أسماؤهم في المحاكم وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم العادل.
نبتهل إلى الله أن يتغمد أرواح شهداء الأنفال والبيشمركة الأبطال بواسع رحمته، ولتكن ذكراهم دافعاً لوحدة صفنا وتكاتف شعبنا.
عاش شعب كوردستان حراً كريماً.

