عباس عبدالرزاق
فِي صَدْرِي نَارٌ لا تَعْرِفُ اسْمِي
تَأْكُلُنِي قَبْلَ أَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أُحِبَّ شَيْئًا
وَأَنَا بَيْنَ رَمَادِهَا وَظِلِّهَا
أَضِيعُ كَمَا يَضِيعُ قَلْبُ عَاشِقٍ فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ
الحَيَاةُ؟
هِيَ صَدًى أَصْوَاتٍ لا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ
كُلُّ مَا يَلْمَعُ حَوْلَنَا
قِنَاعٌ عَلَى وَجْهِ الغِيَابِ
جَلَسْتُ مَعَ نَفْسِي
وَقَالَت: “كُلُّ مَا تَرَاهُ، أَنْتَ نَسِيمٌ عَابِرٌ”
فَقُلْتُ: “فَمَا بَقِيَ لِي؟”
فَابْتَسَمَ الصَّمْتُ وَقَالَ: “كُلُّ شَيْءٍ”
النَّاسُ يَلْهَثُونَ وَرَاءَ صُوَرٍ
وَأَنَا أَلْهَثُ وَرَاءَ وَجْهِك فِي كُلِّ خَيَالِي
فِي كُلِّ نَظْرَةٍ، بَحْرٌ بِلَا شَاطِئٍ
وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ، وميضُ نَارٍ بِلَا لَهَبٍ
يَا قَلْبِي، لا تَبْكِ
لِكُلِّ أَلَمٍ مَعْنًى، وَلِكُلِّ شَوْقٍ طَرِيقٌ
وَالوُجُودُ؟
مَمَرٌّ ضَيِّقٌ إِلَى نَهْرٍ يَبْتَلِعُنَا
لَكِنَّ الحُبَّ… الحُبَّ يَجْعَلُ الرَّمَادَ ذَهَبًا
رُبَّمَا الحَيَاةُ هِيَ أَنْ نَحْتَرِقَ
لِنُصْبِحَ رَمَادًا يَلَامِسُ السِّرَّ
لِنَكْتَشِفَ فِي كُلِّ رَمَادٍ وَجْهَك
وَنَعْرِفَ أَنَّ الفَنَاءَ هُوَ بَدَايَةُ اللِّقَاءِ
فِي الصَّمْتِ وَجَدْتُ لُغَةً
أَعْرِفُهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ نَفْسِي
وُجُوهُ النَّاسِ تَخْتَفِي، وَالهَوَاءُ يَهْمِسُ
وَحَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ اسْمِك يُضِيءُ العَالَمَ كُلَّهُ
أَتَسَاءَلُ: هَلْ أَنَا شَيْءٌ؟
أَم مُجَرَّدُ ظِلٍّ يَمُرُّ عَلَى وَجْهِ العَدَمِ؟
الزَّمَانُ يَمُرُّ، وَأَنَا كَالسَّحَابَةِ
أَبْحَثُ عَنْ مَاءٍ يُرْوِي عَطَشِي
وَأَجِدُ البَحْرَ يَبْتَلِعُنِي بِلَا رَحْمَةٍ
النَّاسُ يَعْبُدُونَ الأَشْيَاءَ
وَأَنَا أَعْبُدُ النَّارَ فِي صَدْرِي
كُلُّ شَيْءٍ يَزُولُ
وَكُلُّ جَمَالٍ وَهْمٌ
إِلَّا الحُبَّ… الحُبَّ، أَو رُبَّمَا العَدَمَ ذَاتَهُ
هُوَ البَاقِي
فِي رَمَادِ نَفْسِي وَجَدْتُ وَجْهَك
وَفِي صَمْتِ اللَّيْلِ شَعَرْتُ بِالكَوْنِ
كُلُّ مَا أَظُنُّهُ حَيَاةً
لَيْسَ إِلَّا وَهْمٌ
وَالْحُبُّ؟
هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى الصَّمْتِ الأبَدِيِّ
أُحِبُّكَ كَمَا تُحْرِقُ الشَّمْسُ البَحْرَ
كَمَا يَبْتَلِعُ اللَّيْلُ ضَوءَ النُّجُومِ
وَأُحِبُّكَ كَمَا أُحِبُّ الصَّمْتَ
قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الكَلَامُ
وَأُحِبُّكَ كَمَا أُحِبُّ العَدَمَ
قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الوُجُودُ
فِي كُلِّ نَفَسٍ أَتَنَفَّسُكَ
وَفِي كُلِّ دَمْعَةٍ أَذْرِفُكَ
وَفِي كُلِّ فَنَاءِ أَرَاكَ
وَفِي كُلِّ نُورٍ أَرَاكَ
أَنْتَ البَدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ
أَنْتَ النَّارُ الَّتِي لا تُطْفَأُ
أَدْرِكْتُ أَخِيرًا: كُلُّ احْتِرَاقٍ
هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الحَيَاةِ وَالحُبِّ
وَكُلُّ فَرَاغٍ
هُوَ فُرْصَةٌ لِلنُّورِ أَنْ يُولَدَ دَاخِلِي
الفَنَاءُ لَيْسَ مَوْتًا
بَلْ تَحَوُّلٌ إِلَى نُورٍ بِلَا شَكْلٍ
إِلَى طَائِرٍ يَطِيرُ فَوْقَ زَمَنٍ بِلَا حُدُودٍ
إِلَى بَحْرٍ يَمُوجُ بِلَا شَاطِئٍ
إِلَى قَلْبٍ يَعْرِفُ الحُبَّ وَالوُجُودَ فِي آنٍ وَاحِدٍ
يَا نَفْسِي، اهْدَئِي
فَكُلُّ أَلَمٍ، كُلُّ فَنَاءٍ، كُلُّ فَرَاغٍ
هُم لُغَاتُ الرُّوحِ الَّتِي تَقُولُ:
“لَقَدْ وَصَلْتَ… لَقَدْ أَصْبَحْتَ نُورًا بِلَا حُدُودٍ”
وَأَنَا الآن، بَيْنَ الرَّمَادِ وَالنَّارِ
أَضْحَكُ لِلْحَيَاةِ، وَأَبْكِي لِلْوُجُودِ
وَأُحِبُّ كَمَا تُحْرِقُ النُّجُومُ السَّمَاءَ
وَأَجِدُ فِي كُلِّ دَمْعَةٍ سِرَّ الوُجُودِ
وَفِي كُلِّ نَارٍ وَجْهَكَ
وَفِي كُلِّ صَمْتٍ صَدًى قَلْبِي

