الكاتب..اماني بركان
يواجه الاقتصاد الوطني واحدة من أعقد المعضلات النقدية والمالية التي تفرضها تحولات السوق العالمية، تكمن في كيفية صياغة موازنة دقيقة وحساسة بين ضرورة الاحتفاظ بالاحتياطيات النقدية كدروع واقية لحماية قيمة العملة المحلية من الهزات النفطية والتقلبات الجيوسياسية، وبين الحتمية الوجودية لتحويل الكتل النقدية الساكنة إلى استثمارات منتجة تضمن سداد الالتزامات المستقبلية وتحقق التنمية الشاملة.
إن الإفراط في الاحتفاظ بالاحتياطيات بما يتجاوز السقوف الآمنة والمعايير الدولية، ليس سوى تجميد قسري لرأس المال الحيوي، وهو سلوك مؤسساتي يقود بالضرورة إلى عجز بنيوي في معدلات النمو وتآكل مستمر في القيمة الزمنية للمال بفعل التضخم العالمي، مما يجعل الاقتصاد الوطني يدور في حلقة مفرغة من “الركود التقني” الذي يغلفه هدوء زائف. تكمن الأزمة الحقيقية في سيكولوجيا وسلوك بعض المؤسسات المالية التي باتت تعاني من “فوبيا المخاطرة” المزمنة، مما دفعها لتبني سياسة الاحتياطيات الزائدة كخيار دفاعي “سلبي” بدلًا من ضخ السيولة في العروق الاقتصادية المتعطشة للبناء.
إن كل وحدة نقدية تُحبس في خزائن الاحتياطي من دون حاجة فعلية أو غطاء قانوني مبرر، هي “فرصة استثمارية ضائعة” بكل ما تحمله الكلمة من كلفة اقتصادية واجتماعية. هذا الاحتجاز يسهم مباشرة في خنق خطوط الائتمان ورفع كلفة الإقراض الحقيقية على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يحول دون تمويل المشاريع الحيوية التي تمثل المحرك الأساس لتوليد فرص العمل وامتصاص البطالة. هذا الحذر المفرط، يُبقي الاقتصاد الكلي رهينةً لتقلبات السوق الريعية المتقلبة، من دون القدرة على خلق “مضاعف استثماري” حقيقي في القطاعات غير النفطية، مما يجعل الناتج المحلي ينمو “رقمياً” و”ورقياً” بفعل تحسن أسعار الموارد الخام في الأسواق العالمية، بينما يظل واقعيًا في حالة انكماش هيكلي يهدد الاستدامة المالية للدولة على المدى البعيد.
وللانتقال نحو اقتصاد متعافٍ وقادر على الصمود، يجب تبني إستراتيجية “التوازن الذكي”؛ وهي رؤية تعيد تعريف الاحتياطي من أداة دفاعية سلبية صامتة إلى محرك نمو إيجابي فعال، وذلك عبر إعادة تخصيص الفوائض النقدية لتمويل صناديق استثمارية سيادية “ذكية” تركز على قطاعات ذات عائد تنموي مضاعف وأثر اجتماعي ملموس. وهنا يبرز نموذج الطاقة المتجددة كحل إستراتيجي ومعاصر؛ فالاستثمار في الطاقة الشمسية وتقنيات الاستدامة، لا يمثل استنزافاً للموارد المتاحة، بل هو “تحرير للميزانية” من تكاليف التشغيل الضخمة والمستمرة المرتبطة بحرق الوقود التقليدي.إن النظرة التقليدية للدين بوصفه عبئًا محضًا وخطرًا داهمًا يجب أن تتغير في وعي صانع القرار؛ فالدين، في مفاهيم الهندسة المالية الحديثة، رافعة مالية جبارة إذا ما وُجّه بذكاء لتمويل مشاريع ترفع كفاءة الناتج المحلي الإجمالي وتوسع القاعدة الضريبية. هذا المسار يسمح بسداد الديون من خلال إيرادات الإنتاج القوية والمتنوعة، وليس عبر الحلول السهلة والمدمرة كتدمير مدخرات المواطنين بالتضخم المتعمد، وهو ما يمثل في جوهره مفهوم العدالة النقدية التي تحفظ حقوق الأفراد مقابل طموحات الدولة.إن الشفافية المطلقة في إدارة هذه الاستثمارات السيادية هي العملة الصعبة الحقيقية التي نحتاجها اليوم لترميم الفجوة بين السلطة والمجتمع؛ فعندما يلمس المواطن بوضوح أن الاحتياطيات النقدية التي كانت مكدسة خلف الجدران قد تحولت فعليًا إلى بنية تحتية عصرية، ومحطات طاقة نظيفة، ومصانع منتجة، سيعاد بناء الثقة المفقودة في النظام المالي ككل، وتنتقل الأموال تلقائيًا من مخابئ “الاكتناز المنزلي” المعطلة إلى الدورة الائتمانية والإنتاجية التي تخدم الجميع.
إن الموازنة بين منطق “الأمان” ومنطق “النمو” هي الجسر الوحيد والمؤكد لعبور “فخ الاعتماد الكلي” على مورد أحادي ناضب، وضمان مستقبل سيادي لا يضحي فيه المواطن، بوصفه الحلقة الأضعف في الأزمات، بل يكون هو المستفيد الأول من تحول الأموال من حالة “الجمود السلبي” إلى حالة “الاستثمار الحيوي” الذي يصنع الثروة، ويحمي الأجيال القادمة من تقلبات القدر الاقتصادي القاسي.
الصباح