عباس عبدالرزاق
لا تبدو قرارات استحداث وحدات إدارية في العراق مجرد إجراءات تقنية بحتة، فحين يتعلق الأمر بالمناطق المتنازع عليها، تتحول التفاصيل الإدارية إلى مؤشرات سياسية ذات دلالات عميقة. ومن هنا يأتي قرار استحداث قضاء جلولاء ليعيد فتح ملف ظل معلقاً منذ أكثر من عقدين، هو ملف المادة 140، بكل ما يحمله من تعقيدات تاريخية وديموغرافية وسياسية.
القرار، في ظاهره، يستند إلى معايير تخطيطية تتعلق بعدد السكان وتوفر المقومات الاقتصادية والإدارية، وهو منطق يبدو طبيعياً في سياق إدارة الدولة الحديثة. غير أن الجغرافيا السياسية للعراق تجعل من هذا المنطق غير كافٍ لفهم أبعاد الخطوة، إذ إن جلولاء وخانقين ليستا مجرد وحدتين إداريتين، بل عقدة تلتقي فيها خطوط التنافس القومي والسياسي والإقليمي.
إدارة الدولة أم إعادة رسم النفوذ؟
تقول القراءة الرسمية إن الهدف هو تحسين الخدمات وتعزيز التنمية المحلية، وهي أهداف لا يمكن الاعتراض عليها من حيث المبدأ. لكن القراءة السياسية تكشف أن أي تغيير إداري في المناطق المتنازع عليها يعني عملياً إعادة توزيع للنفوذ المحلي، خصوصاً في مناطق ذات تركيبة سكانية مختلطة وتاريخ طويل من التوترات.
فاستحداث قضاء جديد يعني تغيير موازين الإدارة المحلية والتمثيل السياسي والموارد المالية، وهو ما يفسر سرعة الاعتراضات التي ظهرت من قوى سياسية ترى في الخطوة تجاوزاً على مبدأ التوافق الذي حكم إدارة هذه المناطق منذ 2003.
المادة 140: نص حي أم إطار متروك؟
من الناحية القانونية، ما تزال المادة 140 قائمة في الدستور، لكنها من الناحية السياسية تبدو أقرب إلى إطار نظري منه إلى آلية قابلة للتطبيق. فالمراحل التي نصت عليها — التطبيع والإحصاء والاستفتاء — لم تُنفذ ضمن الجدول الزمني المحدد، وتغيرت الوقائع الديموغرافية والأمنية بشكل جعل تطبيقها أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
قرار استحداث جلولاء يعكس واقعاً أوسع يتمثل في انتقال الدولة من فكرة “حل النزاع” إلى سياسة “إدارة النزاع”، أي تثبيت الاستقرار عبر إجراءات إدارية تدريجية بدلاً من تسوية شاملة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
خانقين بين الرمزية والتراجع الإداري
لا يمكن فصل الجدل الحالي عن مكانة خانقين الرمزية والسياسية، فهي تمثل بالنسبة لكثير من القوى الكردية امتداداً طبيعياً لهويتها التاريخية، بينما تراها الحكومة الاتحادية جزءاً من منظومة الإدارة المركزية في ديالى.
تقليص نفوذ القضاء عبر فك ارتباط مناطق منه لا يُقرأ فقط كإجراء إداري، بل كتحول في ميزان القوة المحلي، وهو ما يفسر الحساسية العالية تجاه أي تغيير في خريطته الإدارية.
البعد الإقليمي الصامت
بعيداً عن السجال المحلي، تدرك القوى الإقليمية أهمية هذه المناطق باعتبارها شريطاً حدودياً حساساً وممراً جغرافياً مهماً، لذلك فإن الاستقرار فيها يمثل أولوية مشتركة، حتى وإن اختلفت دوافع الأطراف الخارجية في كيفية تحقيق هذا الاستقرار.
فالمنطقة ليست فقط ساحة توازن داخلي، بل جزء من معادلة أوسع تتعلق بأمن الحدود ومنع الفراغات الأمنية والحفاظ على توازن النفوذ في شرق العراق.
بين الاستقرار والجمود
المؤشرات الحالية توحي بأن العراق يتجه نحو تكريس نمط من “الجمود المستقر”، حيث لا تُحسم الملفات الخلافية جذرياً، لكنها تُدار بطريقة تمنع انفجارها. وهذا النموذج قد ينجح في منع التصعيد الأمني، لكنه في الوقت نفسه يؤجل الحلول النهائية ويُبقي التوتر السياسي كامناً تحت السطح.
خلاصة القول
قرار استحداث قضاء جلولاء لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للصراع على المناطق المتنازع عليها، فهو يعكس تحولاً تدريجياً نحو تثبيت وقائع إدارية جديدة بدلاً من انتظار تسويات دستورية شاملة تبدو بعيدة المنال في المدى المنظور.
وبينما قد يسهم القرار في تحسين الإدارة المحلية على المدى القصير، فإنه يطرح في المقابل سؤالاً أعمق حول مستقبل المادة 140، وما إذا كانت ستبقى إطاراً دستورياً مؤجلاً، أم تتحول مع الوقت إلى نص رمزي في ذاكرة الدولة.
وفي ظل غياب توافق سياسي شامل، يبدو أن العراق سيواصل السير في مسار إدارة التوازنات الدقيقة، حيث تُصنع الوقائع بهدوء على الأرض، بينما تبقى التسويات الكبرى مؤجلة إلى زمن آخر.