في ضوء كلمة إلهام أحمد
أمام البرلمان الأوروبي،
أمن «الإدارة الواقعية»
إلى «المطالبة الدستورية»
عباس عبدالرزاق
التحول الأبرز في الخطاب يتمثل في الانتقال من منطق الإدارة الذاتية كأمر واقع فرضته الحرب، إلى منطق الشرعية الدستورية. في السنوات السابقة، كانت الأولوية لدى الإدارة الذاتية هي تثبيت السيطرة الأمنية والإدارية في سياق الحرب ضد داعش. أما اليوم، فالمعركة باتت معركة تعريف الدولة نفسها:هل ستكون سوريا دولة مركزية تعيد إنتاج النموذج السابق؟ أم دولة لامركزية تعترف بتعددها القومي والإثني؟ إصرار أحمد على إدراج الحقوق الكردية في الدستور لا يُفهم كمطلب ثقافي فحسب، بل كمحاولة لنقل القضية من مستوى الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى مستوى العقد الاجتماعي الدائم.
إعادة تموضع في العلاقة مع دمشق
الخطاب لم يكن تصعيديًا بقدر ما كان تفاوضيًا محسوبًا. فهي: لم ترفض مسار الاندماج مع الدولة السورية. لكنها شددت على أن «الاندماج لا يعني إنكار القائم». هذا التعبير يحمل دلالة استراتيجية:
الإدارة الذاتية تقبل العودة إلى إطار الدولة، لكنها ترفض العودة إلى صيغة ما قبل 2011. بعبارة أخرى، نحن أمام تحول من مشروع «إدارة موازية» إلى مشروع «شراكة مشروطة». وهذا يعكس إدراكًا واقعيًا بأن البيئة الإقليمية لم تعد تسمح باستمرار نموذج حكم شبه مستقل دون تسوية مع المركز.
استثمار الشرعية الدولية
اختيار المنصة — البرلمان الأوروبي — ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية مزدوجة:
1. إلى دمشق: أن الملف الكردي ليس شأنًا داخليًا صرفًا، بل يحظى باهتمام أوروبي.
2. إلى أوروبا: أن الأكراد شركاء في الأمن الإقليمي، لا مجرد فاعل محلي. الاستدعاء المتكرر لدور الكرد في هزيمة داعش هو توظيف لشرعية «الحرب على الإرهاب» كرصيد تفاوضي.
الرسالة الضمنية: من قاتل دفاعًا عن العالم يستحق ضمانات في الدستور.
خطاب الكراهية كأداة تفكيك
إشارة أحمد إلى تصاعد خطاب الكراهية ليست مسألة إعلامية فقط، بل تعبير عن خوف من: إعادة إنتاج شيطنة سياسية تمهّد لنزع الشرعية. استخدام التحريض الإعلامي لتقويض أي صيغة لامركزية.
في هذا السياق، يصبح الخطاب الإعلامي جزءًا من معركة تعريف الهوية الوطنية السورية.
فهل تُعرّف الدولة على أساس «مركز قومي واحد»، أم على أساس «تعدد مكوّنات»؟
البعد الإنساني كأداة ضغط سياسي
المطالبة بتبادل الأسرى وعودة اللاجئين، وربطها بمناخ الثقة، يعكس إدراكًا أن: المسألة لم تعد عسكرية.
بل مسألة بناء ثقة متبادلة. وهنا يظهر تحول مهم: الخطاب لم يركز على السلاح، بل على الضمانات القانونية والسياسية.
التحولات البنيوية
في الملف الكردي السوري
يمكن وضع الخطاب ضمن ثلاث تحولات كبرى:
1. تراجع خيار الانفصال لم يعد مطروحًا بشكل جدي في الخطاب الرسمي. البديل هو: لامركزية داخل الدولة.
2. تصاعد الواقعية السياسية
الإدارة الذاتية تدرك تغير ميزان القوى الإقليمي:
تقارب عربي–سوري. و فتور غربي. و ضغوط تركية مستمرة.
لذلك أصبح الخطاب أقرب إلى مقاربة إصلاح الدولة من الداخل بدل تحديها من الخارج.
3. الانتقال من شرعية السلاح إلى شرعية القانون
في ذروة الحرب، كانت الشرعية عسكرية. و اليوم، تُترجم إلى مطالبة بدستور يضمن الحقوق.
هل هو خطاب قوة أم قلق؟
يمكن قراءة الخطاب بطريقتين:
خطاب قوة: لأنه يصدر من فاعل يمتلك أرضًا وإدارة وخبرة عسكرية.
خطاب قلق: لأنه يدرك هشاشة الضمانات في ظل غياب توافق دستوري واضح. الحقيقة أنه يجمع الاثنين: ثقة في المكتسبات، وخوف من تآكلها.
الخلاصة الاستراتيجية
خطاب إلهام أحمد في البرلمان الأوروبي يعكس لحظة انتقالية في الملف الكردي السوري: من إدارة الأمر الواقع إلى تفاوض على شكل الدولة. من الرهان العسكري إلى الرهان الدستوري. من مشروع محلي إلى ملف ذي بعد أوروبي.
السؤال المفتوح الآن ليس: هل سيندمج شمال وشرق سوريا في الدولة؟ بل: بأي صيغة سيندمج؟
وهل ستنجح النخبة الكردية في تحويل رصيدها العسكري والسياسي إلى اعتراف دستوري دائم، أم ستجد نفسها أمام إعادة إنتاج مركزية تُفرغ الاندماج من مضمونه؟

