كتابة: ڤینۆس فائق
ترجمة: نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
كل الشعوب التي واجهت جرائم الإبادة عبر التاريخ احتاجت إلى فترات طويلة لإعادة بناء حياتها الاجتماعية، ولا سيما حياة من بقوا أحياء بعد فقدان أحبائهم الضحايا، فعمليةإعادة بناء الحياة لا تتحقق تلقائياً، بل تتطلب مجموعة من العوامل الداعمة والمشجعة التي تساعد الناجين على الانتقال من حالة مأساوية إلى استعادة الكرامة والثقة بالنفس والاستمرار في الحياة رغم الخسائر البشرية والمادية والمعنوية،الأمرالذي نتحدث عنه هنا ليس بسيطاً ففقدان شخص واحد من العائلة يترك انهياراً نفسياً عميقاً، فكيف بمن عاش تفاصيل الجريمة نفسها، وشهد القتل والتشريد واقتلاع الجذور وفقدان الأقارب وتدمير البيئة الاجتماعية كاملة؟ هؤلاء يحتاجون إلى دعم جاد مادياً ومعنوياً للانتقال إلى مرحلة حياتيةجديدة وتنظيم تفاصيل حياتهم اليومية، وهو أمر مرتبط بعوامل إنسانية وقانونية ومؤسساتية ودولية عديدة.
-
كيف نعالج آثار الإبادة الجماعية على الكرد؟
خصوصاً النساء الناجيات اللواتي فقدن عدداً كبيراً من أفراد عائلاتهن. وليس في ذلك تمييز، لكن التركيز عليهن في هذا المقال لأن النساء يختلفن عن الرجال من عدة أوجه، خاصة البعض منهن أميات أو ضعيفات السلطة واللواتي لاحول لهن ولاقوة، وهُنَ لا يملكن أدوات نفسية للتعبير عن الألم سوى البكاء والرثاء، الوحيدات اللواتي فقدن الأب والزوج والأخ والابن، أي مصدر الأمان والحمايةوالدعم ومنارات بيوتهنَ ،وقد يستطيع الرجل أحياناً التكيف أسرع مع التجارب القاسية لأسبابٍ عديدةٍ، أما النساء ـ ولا سيما في البيئات التقليدية ـ فلا يجدن متنفساً سوى استعادة الحكايات والبكاء دون أن يتحقق الشفاء الحقيقي ، فهؤلاء النسوة لم يصبن بصدمةٍ من جراء حادثَةٍ ما ،بل إنهنَ فقدن أشخاصاً حولهم ومجتمعاً كاملاً، لذلك تحطم شعور الأمان داخلهن ولايشعرن بالإستقرار والسكينة ،فهناك جرحٌ عميقٌ في أعماق قلوبهم ،ملأَ ذاكرتهم بالارتباك والانكسار، ولهذا السبب وغيرها من الأسباب فإنه لمعالجة آثار تلك الجرائم على هؤلاء النسوة نحتاجُ علاجاً شاملاً طويل الأمد وحساساً منَ الناحية الثقافية.
-
التعافي
عندما نتحدث عن العلاج فإننا نعني شفاء تلك النساء ومنح القوة والقدرة لهم لكي يستطيعوا أن يخطوا نحو تجاوز تلك الصدمة التي أصابتهم ويتعافوا، تخيل أن يُقال لامرأة: لقد قُتل زوجك وأبناؤك الأربعة ووالدك وإخوتك جميعاً في حملاتِ الأنفال ،مثل هذا الخبر يحتاج قلباً متصلباً كالحجر لتحمله، لذلك دخلت معظم النساء الناجيات في اكتئاب طويل الأمد.
خلال إحدى زياراتي إلى مناطق (گەرمیان ) المتضررة من حملات الأنفال تأثرتُ كثيراً بما قالتهُ لي امرأة من الناجيات: “أشعر أن الله تركني وحدي لأنني سيئة جداً… خنتهم لأنني بقيت حية… كان يجب أن أموت معهم.” هذا شعوربالذنب معه لا تبقى للحياةِ أيُ طَعمٍ أو معنى ، حيث يعيش الإنسان حاساً بخوفٍ و فقدان ِراحة البال دائماً، وتتغيرُ علاقاته الاجتماعية من جذورِها الى مجرد جلوس أمام الباب الخارجي للمنزل في انتظار دائم على الرغم من التأكد بأَنهم لن يعودوا أبداً.
في أغلَبيةِ زياراتي إلى منطقة(گەرمیان)كنت أرى صمتاً مؤلماً على وجوه كثير من النساء، وكان تحليلي لذلك الصمت هوأن الفقد الجماعي كان أبلغ من الكلماتِ والتَعابيرحيث لاتوجد أية كلمة أو تعبير يعبر عن حجم ذلك الألم، هؤلاء النساء لسن ذوات ُ شخصياتٍ ضعيفَة، بل هذا هو ردُ فِعلِهن َ تجاه تلكَ الكارثة الكبيرة، وأستطيع القولَ بأنني قَداحتجت لسنوات لأكتب هذا الذي أكتُبُهُ الآن ،لأنَني وتحتَ تأثيرِ ما شاهَدتُهُ وما سمعتهُ في تلك المناطق أحتَجتُ الى سَنَواتٍ عديدَةٍ للشفاء منه والكتابة عنه، فمابالُكَ بتلكَ النساء اللواتي عشن في وتعايشنَ في واقع الكارثة ورأينها على حقيقتِها؟ لذلكَ أقولُ إنهن بحاجة إلى علاج حقيقي متكامل وبإخلاص،لقد كان أول شرط لعلاجي هو الإحساس بالأمان قبل كلِِ شيء،كان يجب أن أتَحَدَث وكانَ يجب أن يكونَ هناكَ شخصٌ يسمَعُني ويُصَدِقُني أيضاً لأن جميع القصص التي كنتُ أسمَعُها كانتَ بحاجَةٍ لإمتِلاكِ عَقلٍ فولاذيٍ يستَطيعُ أن يستَوعِبَها وأن يُصَدِقَها ،لذلك ومن أجل التفكير في كيفيةِ معالَجَةِ تلكَ النسوة علينا قبلَ كُلِ شيء أن نمنَحُهُم الأَمانَ والسَكينة،لأنَهُ إذا لم يشعر الشخص بالأمان والسكينة فسوفَ لن يكونَ مستعداً للعلاج من الصدمة ،ونعني بالأمان والسكينة أن يعيش الشخص في مسكن خاص ملائمٍ لأن يعيشَ فيهِ، دخل كافٍ ليسد إحتياجات معيشَتِه، وأن يحاط كذلك بأشخاص لكي يشعُرَ بالطمأنينة، بالإضافة الى إحاطَتِهم بأشخاصٍ يستطَيعونَ حمايَتُهم من العنف والاستغلال. كماتحتاج تلك النساء وبدرجةٍ كبيرَةٍ إلى أمان نفسي وهذا الأمان يمكنهم إيجادُهُ داخل مجموعةٍ من الناس تسمح لهن بالتحدث وسرد حكاياتهن من دون أي خوف وأن يتصرفن من دون التعرض الى النقد والتنمر والحكم المسبق فقط لأنهن وحيدات ُ وفقدنَ أقاربَهُنَ من الدرجة الأُولى من حَولِهِنَ،في نفس زياراتي تلك كنت أسمع من العديد من النساء بأنهنَ تَعَرَضَنَ للضغط النفسي وخصوصاً من قبل الصحفيين لكي يتحدثوا لهم،وهذا يعتبر أكبر خطأٍ أرتُكب بحقهم وخصوصاً بعد الإنتفاضة مباشرةً حيث لم تزل جروحهم النفسيةَ ملطخة بالدم وكانوا في بداية ألمِهِم ، لقد كنا نحن الكورد حينذاك قليلي أو عديمي التجربة في مجال المعاملة مع الناجيين من مثل هذه الجرائم، ولو كان هذا التعامل العلاجي يحدث معهم في الوقت الحالي لكنا قلنا بأن علاجهم كان يجب أن يتم عن طريق متخصصين في المجال النفسي وخصوصاً في مجال معالجة”صدمة ما بعد الفقد الجماعي “التي تحدث في حالات الحرب وفي مثل هذه الجرائم، لأن هؤلاء النسوة لم تصبهم كآبةٌ إعتيادية فقط ، بل أُصيبوا بكآبة ناتجةعن صدمةٍ كبيرة،ولأن الناجيين هم من النساء فقد تعرضوا لحالة صعبةٍ من الخوف والرعب وأصبحوا صاحباتُ ذاكرةٍ سوداءَ وقبيحة ، لأن الناجيين هم من النساء فقد تعرضوا لحالة صعبةٍ من الخوف والرعب وأصبحوا صاحباتُ ذاكرةٍ سوداءَ وقبيحة تعرضهم للكوابيس والأحلام المخيفة ، وبحسب متابعاتي للموضوع وخصوصاً عن طريق صديقٍ لي وهو طبيب نفسي فإنَ هناك عدداً ن العلاجات التي يجب أن تتبع بطريقة تخصصية بهدف مساعدة الضحايا الناجين من جرائم الإبادة الجماعية وخصوصاً في المراحل البدائية حيث يجب أن تتم تلك العلاجات بصورةٍ مكثفة، ولكن في الوقت الحالي وبعد مرور عشرات السنين على هذه الجرائم ، فقد توصلت الى النقاط التالية والتي يحتاجها الناجون وخصوصأ النساء وبالإستناد الى بعض نصائح صديقي الطبيب النفسي:
1.هناك نوع من العلاج يسمى العلاج المعرفي السلوكي الموجّه للصدمةوهويساعد على فهم ردود الفعل وتقليل الكوابيس والخوف والتعامل مع الذكريات دون الغرق فيها.
2.إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين وهو فعّال في معالجة الذكريات الصادمة لهذه الجرائم والفقد الجماعي والمشاهد المرعبةالتي شاهدها الضحية.
-
3. العلاج الجسدي: لأن الصدمة تستقر في الجسد ومن دون أن يفتهمها فإن الجسد يولد في داخله مجموعة من العلامات المرضية ، وفي مثل هذه الحالة يحتاج الجسد إلى أن يعلم كيف يتنفس بعمق وبصورة دائمية وكيف يتحرك بهدوء ويرخي عضلاته إلى أن يصل المريض الى مرحلة يحس فيها بجسده كله لاأن يشعر بأنه فقد الإحساس في جسده.
-
4. علاج الحزن الجماعي(وليس الفردي) فالنساء لم يفقدن أفراداً بل عائلات وقرى كاملة،بل فقدوا تأريخاً بكاملهِ لذلك يكونون في حاجة الى جلسات المشاركة في السرد عندما يصبحن مستعدات لسرد قصصهن.

