كتابة: عماد أحمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
أحيانًا يستطيع مشهدٌ صغير في حديقةٍ ما أن يأخذ الإنسان إلى عالمٍ واسع من الأفكار والذكريات،فعلى سبيل المثال، في وسط حديقة منزلنا نُصِبَ عمودٌ بارتفاع نحو مترين، ووضعت فوقه ثلاث صحونٍ من الرخام ثبتت بأحجام مختلفة، كل يوم نضع فيها القمح والشعير للحمام واليمام والعصافير، فتجتمع حول تلك الصحون عشرات الطيور؛ تأكل حتى تشبع، ثم تطير، وأحيانًا تتنافس فيما بينها على حبة قمح واحدة.
إن هبوطها وطيرانها يصنعان مشهدًا فريدًا؛ لوحة من الحركة واللون والحياة، يمكن أن يُطلق عليها اسم “رقصة باليه الطيور” وهذه اللوحة الطبيعية تبدو في نظري أجمل من كثير من روائع الرسام الفرنسي إدغار ديغا.
اليوم، ومن نافذة غرفتي، كنت أراقب هذا المشهد الحي ،إنها لوحة تتغير في كل لحظة وتولد من جديد؛ تتبدل في الحركة واللون والصوت، لكنها تبقى صورة طبيعية راسخة في الذاكرة، وفي تلك اللحظة، وعلى الرغم من هموم الدنيا ، وجراح السياسة التي لم تندمل، وصعوبة أوضاع الشعب الكوردي وإقليم كوردستان، توقفت كل تلك الأفكار في ذهني لبرهة، يقول الشاعر الكوردي الكبير نالي:
“كطائرٍ حرٍ أحلّق في السماء،
ويتحرر قلبي من قفص الحزن”.
وسط هذا الهدوء، كانت قطة سوداء قد اختبأت تحت الأزهار مترصدةً للحمام، كثيرًا ما كانت الطيور تطير وتنجو، لكن في إحدى المرات وقع حمامٌ فريسةً لها وأصبح طعامها، كان المشهد مؤثرًا ومؤلمًا.
فجأةً طارت ذكرياتي كالفراشة إلى ستين عامًا مضت، إلى بستان (قەسرەکە) في (جەلوە)قرب نهر (ئەڵوەن) ،في صباي ، كنت مع أصدقائي من الصبية ننشغل بصيد الطيور بالمقلاع وبنصب الفخاخ، وعندما كنا نصطاد الطيور وتسقط في الفخ، كنا نلتقطها بسرعة ونفصل رؤو سها عن أجسادها ونأخذها إلى البيت لتكون طعام عشاء لنا. لكن أمي لم تكن تأكل منها؛ كانت تشفق عليها وتقول:
“حرام يا بني، ليس فيها لحم.”
مع أننا في تلك السنوات لم يكن اللحم يتوفر لنا إلا مرتين في الشهر، وبكمية لا تتجاوز ربع كيلوغرام في كل مرة،اليوم، وبعد نحو ستين عامًا، أدرك أن ما كنا نراه آنذاك أمرًا مشروعًا و«طريقًا للعيش» كان في الحقيقة اعتداءً على الحياة وعلى إحساس تلك الكائنات الضعيفة،الآن أفهم كم كانت أمي إنسانة حساسة ورحيمة.
هذه الذكرى البسيطة تعلمنا شيئًا مهمًا: إن الزمان والمكان لهما تأثير كبير في أفكار الإنسان وأخلاقه وسلوكه،فما كنا نراه صحيحًا بالأمس قد لا نراه اليوم بالعين نفسها ،فالإنسان لا يبقى في حالٍ واحدة؛ فالمشاعر والأفكار والسلوك تتغير مع تغير البيئة.
وفي الحياة اليومية، ولا سيما في السياسة، تعمل القاعدة نفسها، فالأشياء لا تبقى على حالها مع تغير الزمان والمكان، والخطر الأكبر في السياسة هو أن تبقى بعض الأفكار والقرارات غير منسجمة مع الزمن الجديد والواقع المتغير.
إن عالم اليوم لا يتغير بالسنوات أو الأشهر فقط، بل يتغير يومًا بعد يوم، وفي السياسة إذا اتُخذت قرارات الحاضر بعقلية الأمس، فلن يكون بالإمكان تلبية حاجات اليوم.
قد تبدو “لوحة الطيور” مجرد مشهد بسيط في حديقة، لكنها بالنسبة لي تحولت إلى درس في الحياة والسياسة،فكما أن الطيور في كل لحظة تعيد تنظيم حركتها وفق الوضع الجديد، فإن الإنسان وخصوصًا في المجال السياسي لا يستطيع أن يبقى أسيرًا لتفكير الماضي.
إن عالم اليوم يتغير باستمرار في كل لحظة؛ ومن لا يستطيع أن يتغير سريعًا مع هذه التحولات سيبقى خارج التاريخ.