كتابة : ئاريز عبدالله
ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستانى نوى
على الرغم من أن الحرب تدور بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن آثارها ونتائجها واسعة إلى درجة أنها طالت العالم بأسره، فقد امتدّ لهيب هذه الحرب إلى معظم بلدان الشرق الأوسط، كما ترك تأثيرًا واضحًا على الأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية،إن ارتفاع أسعار النفط، وتقلب أسعار الغاز الطبيعي بين الانخفاض والارتفاع، وظهور عوائق أمام حركة التجارة بين دول مثل العراق وإيران والسعودية والكويت والصين ودول أخرى في جنوب شرق آسيا، لم تُلحق خسائر كبيرة فحسب، بل قد تتحول أيضًا إلى سبب لحدوث أزمة اقتصادية في تلك الدول المتضررة من هذه المجالات.
الولايات المتحدة الأمريكية تدرك هذه الحقيقة جيدًا، لكنها غير مستعدة لإيقاف الحرب من دون تنفيذ شروطها، كما أن وقف الحرب ليس بالأمر السهل، لأن إيران تقف بين خيارين: الاستمرار في المقاومة أو الرضوخ، ومن الواضح أن هذه الحرب، إلى جانب حروب أخرى، هي نتيجة لاضطراب النظام السياسي الدولي، كما تشير إلى بداية مرحلة جديدة وإعادة تشكيل نظام دولي آخر، والسؤال هو: كيف سيُدار العالم بعد الآن؟ هل سيُدار وفق توازن بين عدة محاور(أقطاب)، أم إن ما يسعى إليه دونالد ترامب، أي فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، سيتحقق؟
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت روسيا تدريجيًا في تعزيز موقعها على المستوى العالمي، إلى أن وصلت إلى حدّ مهاجمة دولة مثل أوكرانيا بذريعة غير مبررة، ولو كان هذا الأمر قد تمّ لها بسهولة، فمن المؤكد أنها لم تكن لتكتفي بذلك، بل كانت ستهاجم دولاً أخرى أيضًا، ولهذا الخطر تحديدًا سارعت كل من السويد وفنلندا إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
* الخطر الذي تمثله الصين بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية
أما الصين، فهي تسعى بطريقة مختلفة إلى توسيع نفوذها وفرض هيمنتها على مساحة أوسع من العالم،فهي تحاول تثبيت مكانتها في دول مختلفة عبر الأسواق والاستثمارات، غير أن خطورة هذه الاستراتيجية الصينية في نظر الولايات المتحدة لا تقل عن خطورة استراتيجية التوسع الروسية، ولذلك واجهتها واشنطن بوسائل مختلفة.
في الوقت الراهن تنشغل روسيا بالحرب في أوكرانيا، ولهذا لا تستطيع فتح جبهة أخرى؛ فهي بلا شك قلقة من هذه الحرب، لكنها لا تستطيع اتخاذ خطوة تتجاوز حدود التنديد، أما الصين فهي أيضًا قلقة، لكنها في الوقت الحالي لا تضع المواجهة العسكرية ضمن خططها، ولذلك تكتفي بالإدانة و المراقبة والتعامل بحذر.
منذ أكثر من مئتي عام تسعى روسيا للوصول إلى المياه الدافئة، وقد اتخذت في هذا الاتجاه بعض الخطوات سواء في العهد السوفيتي أو في عهد فلاديمير بوتين، لكنها اليوم مضطرة إلى التراجع بدلاً من تثبيت موطأ أقدامٍها ،وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد اختارت توقيتًا مناسبًا لهذه الحرب.
واللافت للنظر أن أول المتضررين من نتائج هذه الحرب بعد إيران قد تكون الصين؛ إذ إن الصين تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة من دول الخليج (أكثر من 40% من النفط ونحو 20% من الغاز)، كما أن لها تجارة مثمرة مع العراق وإيران،وبسبب هذه الحرب تعرّضت طرق تصدير واستيراد النفط والغاز إلى عرقلة من جهة ، ومن جهة أخرى فإن الخليج، ولا سيما مضيق هرمز، يمثل العمود الفقري للاقتصاد والتجارة العالمية، ومن غير المتوقع أن تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن السيطرة عليه حتى بعد انتهاء الحرب، وهذا يعني أنه إذا كان أحد أهداف الولايات المتحدة الأمريكية هو إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو إسقاطها، فإن هدفًا آخر يتمثل في بسط السيطرة على الخليج العربي (أو الفارسي).
وما تزال الولايات المتحدة وإيران في خضم الحرب، لكن الولايات المتحدة حققت هدفًا أكبر من مجرد الانتصار على إيران، وهو أنها لم تفرض نفوذها على الخليج فحسب، بل جذبت جميع دوله بالكامل إلى دائرة نفوذها وتحالفها.
وعلى الرغم من أن الظاهر يوحي بأن هدف الولايات المتحدة هو إيران، استنادًا إلى الأسباب التي تذكرها وتقدمها مبررًا للحرب، فإن أبعاد هذه الحرب في الواقع أكبر بكثير من ذلك،ويبدو أن الخليج والشرق الأوسط بأكمله قد يقعان تحت الهيمنة الأمريكية، الأمر الذي يمثل عدة خطوات أخرى نحو إقامة نظام دولي أحادي القطب.