الكاتب..عماد رجب
تابعنا كما فعل الملايين حول العالم خلال الأيام الماضية بدء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية علي ايران والتي انتقلت بعض أحداثها الي دولا أخري بالمنطقة، والتي أظهرت نوعا جديدا من التحولات العسكرية فإذا كان القرن العشرون قد حسم معاركه السابقة عبر التفوق الصناعي التقليدي الضخم، فإن حروب القرن الحادي والعشرين تظهر بها معادلة اخري أكثر تعقيدا: الذكاء الاصطناعي في مواجهة الكلفة الرخيصة.
التطورات الأخيرة في حرب إيران واللجوء الي الخيارات العسكرية ضدها، حمانا الله منها جميعا، تكشف أن موازين القوة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات المقاتلة وانواعها الشبيحة أو حجم الأساطيل وحاملات الطائرات والفرثاطات الشبيحة ، بل بقدرة كل طرف على توظيف التكنولوجيا بأقل تكلفة وأكبر تأثير.
التحول الأول الذي ظهر علي مدار الأيام الماضية منذ بدء الحرب علي إيران يتمثل في صعود الذكاء الاصطناعي كأداة مهمة في إدارة المعركة، فلم يعد تعتمد الدول الكبري عليه للتحليل النظري، بل بات يدخل الذكاء الاصطناعي في صميم العمليات من معالجة صور الأقمار الصناعية، وتحليل الاتصالات بالإضافة إلي التنبؤ بمسارات الطيران، وحتى ترتيب أولويات الاعتراض. الذكاء الاصطناعي.
في الجهة الأخرى ظهر تحول مواز لا يقل أهمية وهو استخدام المسيرات منخفضة الكلفة بكثافة. فتكلفة تقديرية تتراوح بين 20 و40 ألف دولار للمسيرة الواحدة، مقابل صاروخ اعتراضي قد تصل كلفته إلى عدة ملايين، تخلق فجوة اقتصادية واضحة. هنا لا يكون الهدف فقط إصابة منشأة أو موقع، بل دفع الخصم إلى إنفاق موارد تفوق بكثير قيمة الهدف المهاجم.
هذا ما يمكن أن نسميه برغم الكلفة الكبيرة في الأرواح والقيادات والموارد، حرب الاستنزاف الذكي. فبدلا من البحث عن ضربة حاسمة، يجري الضغط المتكرر بأدوات رخيصة نسبيا لإجبار الطرف الآخر على استنزاف مخزونه الدفاعي وميزانيته العسكرية. ومع الوقت، تتحول المسألة من مواجهة تقنية إلى اختبار قدرة اقتصادية ولوجستية.
وتحاول الدول المتقدمة كسر هذه المعادلة عبر تطوير دفاعات أكثر ذكاء، سواء من خلال تحسين أنظمة الكشف المدعومة بالخوارزميات أو عبر البحث عن حلول أقل تكلفة مثل أسلحة الطاقة الموجهة. لكن حتى الآن، يظل التحدي قائما: كيف يمكن مواجهة سيل من الأهداف الرخيصة دون الوقوع في فخ الإنفاق المفرط؟.
من خلال ما حدث في الأيام الماضية نحن أمام صدام بين منطقين الأول يعتمد على التفوق التكنولوجي عالي الكلفة والدقة، والثاني يراهن على الكثافة العددية والكلفة المنخفضة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد إعادة تعريف شاملة لمفهوم الردع، حيث لا يكون التفوق للأكثر تطورا فقط، بل للأقدر على إدارة معركة طويلة بأقل تكلفة ممكنة و لم تعد الحروب تسير عبر صراع تقليدية، بل بنموذجين اقتصاديين عسكريين مختلفين. والنتيجة النهائية لن تحسم فقط بقوة السلاح، بل بمدى قدرة كل طرف على التكيف مع هذه المعادلة الجديدة.
العالم الجديد