أ. د. باسم الأعسم
لأنها محض خلق إبداعي رصين، اقترن بهاجس الاكتشاف، والتمرد على الأنساق المألوفة، والمتداولة، فإن الكتابة تعدُّ ربيع العقول، ومصدر فخر الأمم، والحضارات، وفي مقدمتها حضارة وادي الرافدين، التي من أهم خصائصها الإبداعية، اكتشاف الكتابة الدالة على الجذر الحضاري المتأصل، لسليل الحضارات العراقية، مبدعة الحروف، والكتابة، المقترنة بالخلق، والإبداع، والهم، والخيال، والقلق، والجمال.
وعلى حدِّ قول الناقد الدكتور (صلاح فضل): إن الكتابة الأدبية مضمَّخة بعطر التخيل، وأنا أقول: إن الكتابة، على الرغم من كونها علامة سيميائية، دالة على الذات الإنسانية المتأملة، فهي تحمل معاني الجمال، والجلال، جمال شكلها، وجلال مضمونها، ووظيفتها، ورفعة حروفها، وعظمة أسلوبها، ورقي شعريتها، ودورها في تعظيم شأن المتعة، والفائدة، لدى القراء، والارتقاء بوعيهم، ومن ثم التعبير عن هواجسهم، وإشكالياتهم، وتطلعاتهم، وأذواقهم، وتلكم مهام إنسانية عظيمة، يتفرَّد بها الأدب، بأنواعه كافة، والكتابة، بأشكالها المختلفة، إذا ما أدركنا أن الأدب، تعبير عن الكتابة الأدبية، بأبهى أشكالها، وأنصع أساليبها.
وبحسب رأي (ريتشارد فورمان): “إن الكتابة ليست غاية قائمة بذاتها، بل أداة، أو وسيلة للاستجابة إلى الانشغالات الفلسفية والوجودية العميقة.
إن الكتابة، لسان حال الإنسان المجتهد، في التعبير عن أزماته، ومشكلاته، وعلاقاته مع الآخر، ولها أبعاد نفسية، واجتماعية، وفكرية، ولغوية، وجمالية، بل إنها من أسمى، وأجل الوسائل المعرفية، لاجتراح خطابات ثقافية إنسانية، تسهم في تفعيل مساحة الجدل الفكري، الدال على خاصيّة التنوع، والاختلاف، وليس ترفاً فكرياً فائضاً عن الحاجة، أو وسيلة للشهرة الفارغة.
وتقترن الكتابة، على تباين أنواعها، بقدرات العقل الإنساني، وسعي الفرد المفكر، صوب ترجمة مشاعره، وأحاسيسه، وما يجول بخاطره، بهيئة خطابات إبداعية مجنَّسة، لكل منها اشتراطاته، ومفاهيمه، ومصطلحاته.
وإلى جانب الأجناس الأدبية المتعددة، كالشعر، والرواية، والمقالة، والمسرحية، بوصفها تعبيراً ناصعاً عن الكتابة الأدبية، فإن الكتابة تقترن بالنقد، ما دامت الكتابة تستهدف تقويم الآخر، فرداً ومجتمعاً، وتلك هي من أبرز خواص النقد، بل وحتى الكتابة الفلسفية فأنها تروم نقد الواقع والوجود، وتجلياتهما، بأتجاه إرساء مفاهيم جد علمية، تكرس الأسئلة الفلسفية، المثيرة للجدل، والنقد البناء.
على وفق هذا التوصيف العلمي للكتابة، بوصفها أسلوباً تعبيرياً، يهدف إلى تنوير العقول، وتنزهة الأذهان، مما علق بها من شوائب التخلف، والفكر المتطرف، فإنها معيار الخلق الأبداعي، وثيق الصلة بالمؤثرات الفكرية والسياسية، والاجتماعية.
إنَّ الكتابة تتسامى بالقراءة، والخبرة، والتجربة، والذائقة، والوعي الغزير، وعندئذٍ تتبلور الأفكار، والأحداث، عبر الكلمات، بصيغة عمل أدبي، يزخر بالرؤى، والمعالجات، والأسئلة الباحثة عن إجابات حول الواقع الحاضر، والأنسان المعاصر.
إنَّ عظمة الكتابة، تتجلى في قدرتها على التعبير بصدق، وشفافية عن الأشكاليات الوجودية، والفلسفية، التي تتعلق بالعالم، والمجتمع، والأنسان، بقصد مقاربتها أسلوبياً، أي التعبير عنها بطرائق فنية مستحدثة، وأساليب أدبية فاخرة، تعد بمثابة الوسيط الناقل للمتلقي المستقبل، بقصد تحقيق أسمى مراتب المتعة، والفائدة المرجوة، والجمال، كما هو شأن الروايات والقصائد، والمسرحيات، التي طالما شغلت حيزاً جاذباً، ومؤثراً في نفوس، وأذهان المتلقين على تباين ثقافاتهم، ووعيهم.
لقد احترف الكتابة على مرِّ الزمن، العديد من الأدباء، والكتاب الذين أدركوا عن وعي مبكر، وخبرة دقيقة، أسرار الكتابة، وضروراتها، وأنساقها، وحيثياتها، فأمسوا خالدين، يؤرقهم هاجس الخلق الإبداعي المبين.
لقد صرح ذات مرة الشاعر والكاتب المسرحي الألماني “برتولد بريخت” صاحب نظرية المسرح الملحمي ما نصه، إذ قال: “إني أكتب النصوص المسرحية لمئة سنة قادمة”، وبالفعل، فإن مسرحياته صالحة للعرض المسرحي، ومثيرة في كل زمان ومكان، وذلك لثراء مضامينها، وغرابة معالجاتها، وتقدمية أفكارها.
وما ينطبق على “بريخت” يصح تعميمه على كبار الأدباء، والكتاب أمثال (شكسبير، وبيكيت، وماركيز، وشولوخوف، وبوشكين، ودستويفسكي، ونجيب محفوظ، أدونيس، محمد خضير، الجواهري، عبدالرزاق عبدالواحد، حاتم الصكر)، وسواهم ممن يكتبون بوعي خلاق، ومعالجات أسلوبية مختلفة، ولغة متفردة، تسر القراء، والمتلقين، وتبهج أحاسيسهم، لروعة جمالها، وغرابتها.
إن الكتابة مسؤولية جسيمة، ينهض بأعبائها، الأدباء والكتاب المهرة، المنصهرة، ذواتهم مع نسخ أعمالهم الإبداعية.
فتستحوذ كتاباتهم على أذهان القراء، فتنال رضاهم، على تغاير مستوياتهم الإدراكية. إنها مهمة جد عسيرة، لا يقوى على تمثّلها، أو أدائها، كل من مارس الكتابة؛ وذلك، لاقترانها بطاقة الخيال، وقدرة الكاتب على صياغة الأحداث، والأفكار، وفق سياقات حداثية مبتكرة، تجتذب القراء، من هول صدمة المعالجات الأدبية، والفنية، المائزة حقاً، وتلك هي المعادلة، التي ينبغي على من استهواه فضاء الكتابة، أن يسير على هديها، إذا ما ابتغى التميز، في إنتاج نصوص إبداعية تمهِّد السبيل الأنجع لخلود كتابها، ومن ثم بقائها عالقة في ذاكرة الأجيال.
إن السر الكامن وراء استغراق كتابة بعض الأعمال الأدبية، سنوات عدة، هو البحث عن مقومات بقاء العمل الأدبي، ماثلاً في ذاكرة القراء، ردحاً من الزمن، مع يقيني الأكيد، أن عدد القراء لا يمثل معيار الجودة، فقد تستقطب بعض الأعمال الأدبية هابطة القيمة، ملايين القراء، بزمن قياسي، لكن العبرة في قدرة المؤلف على التأثير بأجيال متعددة، عبر عمله المسبوك بعلمية، ورصانة، وفنية، وجمالية، وغرابة مائزة، وحداثة بائنة، مثلما هي أمهات الروايات العالمية (مئة عام من العزلة، الحرب والسلام، الشيخ والبحر، الدون الهادئ، الساعة الخامسة والعشرون، أسطورة سيزيف) فتلك الروايات، ومن على شاكلتها، قد أمست مثلاً أعلى للكتابة شاهقة القيمة، ورائقة الأسلوب.
صحيفة الصباح

