أحمد الشطري
تمثل القصص القرآنية مساحة ثرية للبحث والقراءة المعمقة، لا من حيث المعاني والدلالات التي تنطوي عليها، بل من حيث التقنيات السردية وما يمكن مقاربته مع تقنيات السرد الحديثة. ولعل سورة الكهف هي واحدة من السور، التي انطوت على مجموعة من القصص التي اتسمت بالطول، وبكثرة التفاصيل، وبنوع من الاختلاف في تقنيات السرد. وإن كانت كما هو شأن جميع قصص القرآن تروى بتقنية الراوي العليم العارف بكل شيء، وهو أمر طبيعي كون الراوي هو الخالق جل وعلا. بيد أن ثمة ملامح لتقنيات أخرى تتخلل البنية السردية، وهو ما نحاول تلمسه في قراءاتنا هذه لهذه الآيات، ونحن بعد ذلك نؤكد أن كل ما نؤشره من ملامح تُشابهُ بشكل أو آخر السرد البشري هو من قبيل المقاربة وليس التطابق.
وتُعدّ قصة لقاء موسى بالعبد الصالح في سورة الكهف من أكثر المقاطع القرآنية كثافةً من حيث البناء السردي وتعدد مستويات الدلالة. فهي لا تكتفي بعرض أحداث متتابعة، بل تبني توتراً معرفيّاً بين ظاهر الفعل وباطنه، وبين ما يُرى لحظة وقوعه، وما ينكشف مع تأويله.
فمنذ الاستهلال ينفتح النص على حركة بحث، فموسى لا يقف هنا بوصفه نبيّاً مشرّعاً، بل بوصفه طالب معرفة. هذه النقلة في موقع الشخصية تمهّد لتحوّلٍ في طبيعة الرؤية؛ فالمقام هنا مقام تعلّم لا مقام تقرير. ولهذا كان السؤال: (هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا) سؤال تواضع معرفي قبل أن يكون طلب صحبة.
أولاً: إيقاع الحركة وبناء التوتر
يتأسس السرد في هذه القصة على تعاقبٍ زمنيٍّ واضح، يبدأ بعتبة حوارية: (وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ)، وكأن النص يفتح ستارة المشهد على وعدٍ بالرحلة والبحث. ثم تتوالى الحركة بإيقاع منتظم عبر الفعل الرابط: (فانطلقا)، في تتابع يصنع تصاعداً دراميّاً مع كل محطة. هذا الانتظام الحركي ليس حياديّاً؛ بل هو نبض إيقاعي يخلق إحساسًا بالاستمرار، ويُشعر القارئ بأنه يسير مع الشخصيتين في طريق لا يكشف أسراره دفعة واحدة. وإنما يراكم التوتر مع كل اعتراض من موسى، ويؤجل كشف المعنى حتى لحظة الانفصال: (هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ)، حيث ينفجر التأويل دفعة واحدة.
تنطوي هذه القصة على ثلاثة أحداث رئيسية – خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار- وتُبنى جميعها على صدمة أولى. ظاهرها يصطدم بالفهم الإنساني المباشر؛ حيث يُحدث الأول خللاً اقتصاديّاً، والثاني يوقع خرقاً قيميّاً بالغ القسوة، أما الثالث فيتعلق بمنفعة مهدورة. ومع كل اعتراض من موسى، يأتي التنبيه من العبد الصالح أو (المعلم): (أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا). وهكذا يتراكم التوتر، لا لأن الأفعال غريبة فحسب، بل لأن تفسيرها مؤجَّل. حيث التأجيل هنا أداة تربوية؛ فالمعنى لا يُمنح إلا بعد اكتمال المسار.
ثانياً: ظاهر الفعل وحدود الإدراك
على مستوى الظاهر، تبدو الأفعال الثلاثة إخلالاً بنظام القيم المألوف:
إفساد مالٍ لمساكين.
إزهاق نفسٍ بغير جرم ظاهر.
عملٌ بلا مقابل في قريةٍ بَخُلَ أهلُها.
إنها أفعال تصطدم بالحسّ الأخلاقي المباشر. واعتراض موسى ليس تمرداً، بل هو تعبير عن طبيعة الإدراك البشري حين يحاكم الفعل بمعزل عن مآلاته، فالرؤية الإنسانية بطبيعتها جزئية؛ ترى اللحظة ولا ترى امتدادها.
غير أن النص لا يكتفي بإبراز محدودية هذا الإدراك، بل يؤسس لمستوى آخر من الفهم، يتكشّف فقط عند لحظة البيان الأخيرة.
ولكن العنصر الأعمق في البناء لا يكمن في الأحداث ذاتها، بل في طريقة إسنادها. فحين يبدأ العبد الصالح بتفسير أفعاله، نلحظ تدرجاً دقيقاً في الضمائر:
(فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا)
(فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا)
(فَأَرَادَ رَبُّكَ)
هذا الانتقال ليس تفصيلاً لغويّاً عابراً، بل هو مسار دلالي. ففي الحدث الأول، يبدو الفعل أقرب إلى مبادرة فردية، إحداث موضعي لضرر اقتصادي يمكن احتماله. أما في الثاني، فيتسع الإسناد إلى صيغة جماعية: (فَأَرَدۡنَآ)، وكأن الفعل يتجاوز الفرد إلى تدبير أوسع. بينما يأتي الثالث، ليُحسم فيه الإسناد صراحة إلى الإرادة الإلهية: (فَأَرَادَ رَبُّكَ)، حيث يكتمل الانكشاف.
ولو تأملنا في هذا التغير الإسنادي. لوجدنا أن احتمالية(ذاتية) الإسناد الأول تنبع من طبيعة المشكلة، حيث أن المشكلة يمكن للذات البشرية توقعها أو رؤيتها من واقع معروف وجود (مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا)، أما المشكلة في الإسناد الثاني(المشترك) فإن احتمالية بنائها على رؤيتين الأولى (ذاتية) يمكن تحققها من خلال الفراسة أو تصرفات الغلام، والرؤية الأخرى غيبية محضة، أما المشكلة في الإسناد الثالث فهي تنبني على عدم المعرفة الذاتية بالكنز الذي تحت الجدار وعائديته، وبناء على ذلك جاء الإسناد معلقاً على إرادة الله وحده.
ومع ذلك فإن هذا التدرج الإسنادي يعود في خاتمته ليكشف عن وحدة المصدر الفاعل:(وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ). حيث تتلاشى هنا الفواصل الظاهرية بين الضمائر، ويتبين أن كل الأفعال – على اختلاف مستويات إسنادها – تصدر عن مشيئة واحدة. وكأن النص يسمح بظهور تعدد في زوايا النظر، لكنه يعيدها في النهاية إلى مركز واحد. ومن ثم، فإن القصة لا تقف عند حدود المفارقة بين ظاهر وباطن، بل تؤسس لرؤية معرفية أعمق تتمثل في محدودية الإحاطة البشرية أمام كلية العلم الإلهي.
ثالثاً: الصبر بوصفه شرطاً معرفيّاً
يتكرر في القصة مفهوم الصبر: (إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ).
غير أن الصبر هنا ليس احتمال الألم، بل احتمال الغموض. إنه القدرة على تعليق الحكم حتى اكتمال الصورة. فالمعرفة – في هذا السياق – ليست امتلاكاً فوريّاً للحقيقة، وإنما هي استعدادٌ لانتظارها.
ووفق هذا المعنى تتحول الرحلة من انتقالٍ جغرافي إلى ارتقاء في الوعي. فموسى لا يتعلم معلومات جديدة فحسب، بل يختبر حدود إدراكه. والعبد الصالح لا يمارس أفعالاً خارقة، بل يكشف عن نظامٍ خفيٍّ تتسق فيه الرحمة مع العدل، وإن بدا ظاهر الفعل مناقضاً لذلك.
الخاتمة:
إن البناء السردي في هذا المقطع من القرآن الكريم يكشف عن حوار عميق بين المعرفة والحدث، بين الزمن اللحظي والزمن الكلي. وما يبدو خرقاً في مستوى الرؤية الجزئية، يتبدى – بعد اكتمال التأويل – جزءاً من نظام أوسع، لا يتناقض فيه الفعل مع العدل، بل يتخفى العدل فيه إلى أن يحين أوانُ الكشف.
وبهذا تتحول الرحلة من انتقال في المكان إلى انتقال في الوعي، ومن اعتراض على الفعل إلى تسليم بحكمة تتجاوز حدود النظر العاجل.