عباس عبدالرزاق
عندما يكتب عماد أحمد عن تحوّل الخبر إلى جزء من الحرب، فإنه يضع إصبعه على واحدة من أخطر ظواهر العصر الحديث: لم تعد الحرب مجرد صدام بين الجيوش، بل أصبحت صراعاً على الوعي نفسه. فالمعركة اليوم لا تدور فقط على الأرض، بل أيضاً في اللغة والصورة والسردية التي تُقدَّم بها الأحداث إلى الجمهور. إن الفكرة التي يطرحها النص أن الخبر قد يتحول إلى سلاح تبدو في ظاهرها بديهية، لكنها في عمقها تعكس تحوّلاً فلسفياً في فهم العلاقة بين الإعلام والسلطة. ففي العصر الرقمي لم يعد الإعلام مجرد ناقل للواقع، بل أصبح جزءاً من بنية القوة التي تنتج الواقع وتعيد تشكيله.
المعرفة بوصفها شكلاً من السلطة
في فلسفة ميشيل فوكو لا توجد معرفة بريئة أو محايدة. فكل خطاب معرفي يرتبط ببنية من السلطة تحدد ما يمكن قوله وما يجب إسكاته. الحقيقة، في هذا المعنى، ليست معطى ثابتاً بل نتيجة صراع بين خطابات متنافسة.
إذا قرأنا النص في ضوء هذه الفكرة، فإن الإعلام في زمن الحرب يصبح جهازاً لإنتاج الحقيقة السياسية. الخبر لا يكتفي بوصف الحدث؛ بل يحدد كيفية فهم الحدث. إنه يرسم الحدود بين ما يُعد انتصاراً وما يُعد هزيمة، بين ما يُعد تهديداً وما يُعد أمناً. وبذلك يتحول الإعلام إلى ما يشبه جهازاً لإدارة الوعي الجماعي. فهو لا يفرض السيطرة بالقوة، بل عبر إعادة تشكيل الإدراك. وهذه هي إحدى أكثر آليات السلطة حداثة وتعقيداً.
الهيمنة الثقافية وصناعة الرضا
لكن السيطرة على الوعي لا تتم فقط عبر المعلومات؛ بل أيضاً عبر الثقافة والرموز. هنا تبرز أفكار المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية.
يرى غرامشي أن السلطة الحديثة لا تعتمد على القمع المباشر فحسب، بل على القدرة على جعل أفكارها تبدو طبيعية ومقبولة لدى المجتمع. الإعلام يلعب دوراً مركزياً في هذه العملية؛ فهو يعيد إنتاج القيم والسرديات التي تمنح الشرعية للنظام السياسي أو للسياسات المتبعة.
في زمن الحرب، تصبح هذه الهيمنة أكثر وضوحاً. فالسردية الإعلامية قد تحول الحرب إلى ضرورة أخلاقية، أو تجعلها تبدو دفاعاً عن الأمن أو الحرية. وهكذا لا يُقنع المجتمع بالحرب عبر القوة، بل عبر إنتاج المعنى الذي يجعلها مقبولة.
صناعة الرأي العام
هذا التحليل يلتقي مع نقد الإعلام الذي قدمه المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي. ففي تحليله الشهير لآليات الإعلام الحديث، يرى تشومسكي أن وسائل الإعلام الكبرى تعمل ضمن منظومة اقتصادية وسياسية تجعلها تميل إلى إعادة إنتاج الروايات الرسمية للسلطة. بهذا المعنى يصبح الإعلام أداة لصناعة ما يسميه تشومسكي الموافقة المصنَّعة؛ أي تشكيل رأي عام يبدو وكأنه نابع من المجتمع، بينما هو في الواقع نتيجة لعملية معقدة من الانتقاء والتوجيه. في الحروب، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح أكبر. فاختيار الأخبار، وطريقة صياغتها، واللغة المستخدمة في وصف الأطراف المتحاربة، كلها عناصر تساهم في تشكيل صورة ذهنية محددة لدى الجمهور.
من الحقيقة إلى الواقع المصطنع
إذا كانت أفكار فوكو وغرامشي وتشومسكي تكشف علاقة الإعلام بالسلطة، فإن الفيلسوف الفرنسي جان بودريار يذهب أبعد من ذلك. فهو يرى أن الإعلام المعاصر لم يعد يكتفي بتوجيه الإدراك، بل أصبح ينتج واقعاً بديلاً. في عالم الصور الرقمية والتغطيات الفورية، تتحول الأحداث إلى سلسلة من الرموز والتمثيلات التي قد تصبح أكثر حضوراً من الحدث نفسه. الجمهور لا يعيش الحرب مباشرة، بل يعيش صورتها الإعلامية. وبهذا المعنى قد تصبح الحرب، في جانب منها، حدثاً إعلامياً بقدر ما هي حدث عسكري.
فوضى الحقيقة في العصر الرقمي
التحول الكبير الذي يشير إليه النص يتجسد في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها تتحكم في تدفق الأخبار؛ بل أصبح كل فرد قادراً على إنتاج المعلومات ونشرها.
هذا التحول أوجد ما يمكن تسميته اقتصاد الفوضى المعلوماتية. فالأخبار الحقيقية والمضللة تنتشر في الفضاء الرقمي بالسرعة نفسها، بل إن الخبر الكاذب قد ينتشر أحياناً أسرع من الحقيقة لأنه أكثر إثارة.
في هذا السياق تصبح الحقيقة نفسها هشّة. فالمشكلة لم تعد في الرقابة على المعلومات، بل في فيض المعلومات الذي يجعل التمييز بينها أكثر صعوبة.
أخلاق الكلمة في زمن الضجيج
هنا تبرز القيمة الأخلاقية التي يشير إليها النص عندما يؤكد أن الكلمة في زمن الحرب قد تكون نوراً أو ظلاماً. فالإعلام ليس مجرد تقنية لنقل الأخبار؛ بل ممارسة ثقافية تحمل مسؤولية اجتماعية. إن الدفاع عن الحقيقة في زمن الصراع يتطلب شجاعة فكرية، لأن الصحفي قد يجد نفسه بين ضغوط السلطة وإغراءات الخطاب الجماهيري. وفي هذا التوتر تتحدد قيمة الصحافة الحقيقية.
كردستان والذاكرة السياسية
إشارة المقال إلى مقولة الزعيم الكردي الراحل جلال طالباني بأن «كردستان أهم من كل شيء» تحمل بعداً سياسياً وأخلاقياً. فهي تذكّر بأن الإعلام في المجتمعات التي عاشت صراعات طويلة يجب أن يسعى إلى حماية الوعي الجماعي من الانقسام والتلاعب. لكن هذا لا يعني تحويل الإعلام إلى أداة دعائية. فالمجتمع الذي يفقد القدرة على نقد نفسه يفقد أيضاً القدرة على فهم واقعه.
الحقيقة كخط الدفاع الأخير
القراءة الفلسفية للنص تقود إلى نتيجة واضحة: في الحروب الحديثة لا تُستهدف المدن فقط، بل تُستهدف أيضاً الذاكرة والوعي. فبين سلطة الخطاب التي تحدث عنها فوكو، والهيمنة الثقافية عند غرامشي، وصناعة الرأي العام لدى تشومسكي، والواقع المصطنع عند بودريار، يظهر الإعلام كساحة معركة غير مرئية لكنها حاسمة. في هذه المعركة قد تكون الحقيقة هي الضحية الأولى، لكنها أيضاً يمكن أن تكون خط الدفاع الأخير عن المجتمع. لأن الكلمة الصادقة، رغم ضعفها الظاهر أمام ضجيج الدعاية، تبقى قادرة على إعادة ربط الإنسان بالواقع.
وهذا ربما هو المعنى الأعمق الذي يلمح إليه النص:
أن حماية الحقيقة ليست مجرد واجب مهني، بل فعل مقاومة في عالم أصبح فيه الخبر نفسه جزءاً من الحرب.