ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن موقع صحيفة كوردستاني نوى
في تاريخ الشعوب يوجد أناسٌ لا تكون حياتهم ملكًا لشخص واحد فحسب، بل تصبح جزءًا من تاريخ أمتهم،هؤلاء يلمعون في اللحظات الحسّاسة من التاريخ كالمصابيح، ويضيئون دروب شعوبهم، وعندما يرحلون، لا تنتهي حياة شخصٍ واحد فحسب، بل يحدث فراغٌ في ذاكرة ونضال شعبٍ بأكمله، ويعمّ الحزن الأمة، و رحيل صالح مسلم هو من هذا النوع من الرحيل.
لقد كان إنسانًا لم يخض نضاله بروح التشدّد والعنف، بل اختار طريق الكفاح بهدوء، وبفكرٍ عميق وبُعد نظرٍ سياسي، وفي خضم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، سعى دائمًا إلى أن يكون صوت العقل والاعتدال،فبالنسبة له لم تكن السياسة مجرد ساحة صراع، بل طريقًا لخدمة شعبه.
كان صالح مسلم إنسانًا بسيطًا متواضعًا، ومناضلاًثابتًا لايخشى، وسياسيًا بعيد النظر هادئ الطبع،كثيرون يشتدّون في حرارة السياسة، لكنه كان يحافظ على هدوئه وسط نار الصراعات،وكان يدرك أن النضال القومي لا يستمر بالعنف وحده، بل يبلغ أهدافه بالحكمة والتفكير بعيد المدى.
يقال:
(عظمة الإنسان لا تقاس بعدد السنوات التي يعيشها، بل بعدد المصابيح التي يوقدها في طريق شعبه.)
لقد كان صالح مسلم نفسه مصباحًا من تلك المصابيح،ولم يكن الوقت مناسبًا ليرحل في هذا العصر المليء بالتحولات الكبرى في المنطقة، فالمنطقة ما زالت بحاجة إلى صوت الحكمة والاعتدال، ولذلك فإن رحيله المبكر حزنٌ ثقيل، لأن مثل هذا الفراغ لا يُملأ بسهولة.
بعض الناس يشبهون أزهار الربيع؛ يرحلون، لكن عطرهم يبقى في الحدائق،وإذا كان الربيع رمزًا لتجدّد الحياة وجمالها، فإن صالح مسلم كان كزهرةٍ ازدهرت في جبال كوردستان، وخرجت من ترابها مع النرجس وزهور شقائق النعمان الحمراء، فزادت الجبال لونًا وجمالاً حينها يشعر الإنسان أن الحياة تتجدد من جديد، لكن القدر، للأسف، يجعل المآسي تقع أحيانًا في الربيع ذاته؛ ففي الوقت الذي يبتسم فيه النرجس وتلوّن شقائق النعمان الحمراء الجبال، يمتلئ قلب شعبٍ بالحزن على رحيل شخصيةٍ مناضلة.
لذا أقول:
(جاء الربيع، لكن قلبي كأنه شتاء، لأن زهرةً نقصت من بستاننا.)
كان صالح مسلم تلك الزهرة التي نمت في بستان النضال، لكن بستان الكفاح، مع الأسف والأسى، حُرم من جمال تلك الزهرة النادرة وعطرها.
وأملنا الكبير أن تستمر حركة تحرر كوردستان وحركة الديمقراطية في المنطقة على النهج نفسه،فنضال الشعوب لا يتوقف برحيل الأفراد، لأن الفكر والعقيدةلا يموتان.
وتقول حكمة قديمة:
(الإنسان يموت، لكن الطريق الذي يبدأه يصبح طريق الأجيال.)
(إن نضال الشعوب لا يجفُ برحيل الأفراد،
لأن الفكر والهدف ينتقلان دائمًا من جيل إلى جيل)
وفي الختام نسأل الطمأنينة والسكينة لروح ذلك الإنسان المناضل، ونرجو أن يكون له مقام كريم في جنات الله، كما نقدم تعازينا للجميع في هذا الرحيل المؤلم.
وكما يقول الشاعر الكردي الكبير (حاجی قادری کۆیی)
(الاسم الطيب يبقى دائمًا) ،فالربيع يعود دائمًا، وتزهر شقائق النعمان الحمراء في الجبال، ويستمر نضال الشعب.
لقد رحل صالح مسلم،لكن فكره ونضاله يعيشان دائمًا في قلب كوردستان. لقد كان ثائرًا بكل معنى الكلمة، وكما يقول الشاعر الكوردي الكبير ( نالي)
كل إنسان يموت، لكن الاسم الطيب
يبقى في قلوب الناس
كما يقول الشاعر (حاجی قادری کۆیی) أيضاً:
(الموت طريق محتوم للإنسان، لكن الاسم الطيب لا يموت أبدًا)