في حياة الإنسان هناك بعض الطرق تمضي بهدوء، وتصل إلى نهايتها من دون أذى أو عناء؛ كالنهر الذي ينساب رويدًا رويدًا حتى يبلغ البحر، غير أن هناك طرقًا أخرى تشبه الطرق الجبلية، المليئة بالمنحدرات والمرتفعات، والمفعمة بالمنعطفات المتعرجة والصخور والعوائق، في مثل هذه الطرق يصل الإنسان مع كل خطوة إلى درسٍ جديد من دروس الحياة، وحياتي أنا أيضًا كانت من ذلك النوع من الطرق، إذ علّمتني كل مرحلة فيها درسًا عميقًا من دروس الحياة.
في بداية الطريق وقف اليتم والفقر، فكثيرًا ما يُنظر إلى الفقر بوصفه محنة، لكنه في الحقيقة مدرسة عميقة للحياة، ففي هذه المدرسة يتعلم الإنسان أن يعيش بأقل القليل، ويدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك من أشياء، بل بما يحمله في قلبه من أملٍ ومعنى، أما اليتم فقد علّمني أن أعتمد على نفسي، وأن أبحث عن قوتي في أعماق ذاتي،إن فقدان الأب في الطفولة عبء ثقيل، لكن أمي كانت لي أبًا وسندًا في الحياة، حتى إنني لم أشعرباليتم لحد ما ، وقد علّمني الفقر أن الإنسان قد يكون بلا مال، لكنه لا ينبغي أن يكون بلا أمل، ففي تاريخ البشرية كثيرون جمعوا الثروات، لكن القليل منهم امتلك القدرة على حماية نفسه في أوقات الضيق من دون أن يفقد آماله.
ثم جاءت أيام النضال؛ في صفوف (کۆمەڵە) الماركسية–اللينينية، دفاعًا عن حقوق الكادحين وحرياتهم، ومن أجل كوردستان حرةٍ مرفوعة الرأس، والنضال لا يقتصر على ساحات الصراع السياسي أو العسكري، بل يبدأ في أعماق الإنسان نفسه، فعندما يختار المرء الموقف بدل الصمت والانتهازية، عندها يبدأ النضال الحقيقي.
وفي ذلك الطريق يدرك الإنسان أن النجاح لا يعني دائمًا الغلبة على الآخرين؛ فأعظم انتصار هو أن يتمكن الإنسان من التغلب على خوفه وضعفه.
وبعد سنوات، تقود الحياة الإنسان أحيانًا إلى السلطة،ومن الناحية الفلسفية تبدو السلطة كبحيرة عميقة؛ قد تحمل الإنسان فوق سطحها، لكنها قد تغرقه أيضًا في أعماقها، فكثيرًا ما يعرف الإنسان نفسه في الفقر، لكنه قد يفقد نفسه ويضل الطريق في السلطة، لذلك فإن أعظم سلطة هي أن لا ينسى الإنسان نفسه وهو في قلب السلطة، وألا يضيع ذاته.
وفي هذه الأيام، حين يأتي الربيع وتُوقد نار نوروز، يجدد العالم نفسه مرة أخرى، فـنوروز ليس مجرد مناسبة تاريخية؛ إن نار نوروز رمز للأمل وتجدد الحياة، وعندما تشتعل النيران على رؤوس الجبال، كأن التاريخ يردد من جديد أن الظلام، مهما طال، لا بد أن ينتهي.
ومن جانب آخر، يأخذ شهر رمضان الإنسان نحو أعماق ذاته، فإذا كان نوروز نار الأرض، فإن رمضان طهارة الروح، ففي رمضان يتعلم الإنسان أن أعظم حرية ليست أن يمتلك العالم، بل أن يمتلك نفسه.
وهكذا مضت حياتي بين نورين:
نار نوروز التي تمنح الأمل،
وضياء رمضان الذي يطهّر القلب.
وعندما أتأمل سنوات الماضي أرى أن اليتم والفقر والنضال والسلطة، جميعها كانت دروسًا كبيرة،لقد علّمتني أن حياة الإنسان متعددة الأوجه، ليست بلون واحد ولا مستوى واحد، بل هي في تغير دائم،قد يفقد الإنسان أشياء كثيرة، لكنه إذا حافظ على سمعته وصدقه، فإنه لم يخسر قط.
وفي النهاية تظهر حقيقة واضحة: كل شيء قابل للزوال؛ المال والسلطة وحتى الصحة، أما الذي يبقى دائمًا فهو نقاء القلب والصدق مع النفس ومع الآخرين، وكذلك الأمل بالمستقبل، وكما يقول الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا:
(يمكنهم أن يقطعوا كل الأزهار، لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوا الربيع)