* محمد شيخ عثمان
تسمية المطارات في العالم ليست مجرد إجراء إداري أو خيار بروتوكولي عابر، بل هي فعل رمزي عميق تختزن فيه الدول سرديتها الوطنية، وتقدم عبره شخصياتها الجامعة بوصفها علامات دالة على تاريخها السياسي والأخلاقي. ففي مدن العالم، تحمل المطارات أسماء قادة تركوا بصمات حاسمة في بناء دولهم، مثل جون إف كينيدي في نيويورك، وشارل ديغول في باريس.
كما يحمل مطار نيلسون مانديلا الدولي في كيب تاون، عاصمة جنوب أفريقيا، اسم أحد أبرز رموز النضال الإنساني، بل إن اسم مانديلا لم يقتصر على جنوب أفريقيا، إذ يوجد مطار آخر باسمه في عاصمة دولة الرأس الأخضر. وفي هذا السياق، تأتي تسمية مطار السليمانية الدولي باسم مطار جلال طالباني الدولي بوصفها خطوة ذات دلالات سياسية ووطنية تتجاوز الإطار المحلي إلى المعنى العراقي الأوسع.
إن هذه التسمية لا يمكن اختزالها في بعدها الحزبي، ولا قراءتها ضمن حدود الانتماء التنظيمي، فشخصية جلال طالباني (مام جلال) تجاوزت، خلال مسيرتها الطويلة، تعريفات الحزب والإطار الضيق، لتتحول إلى رمز وطني عراقي جامع. ولعل وصفه من قبل مرجعيات دينية وسياسية متعددة، داخل العراق وخارجه، بـ”صمام أمان العراق”، لم يكن توصيفا مجازيا، بل تعبيرا عن دور فعلي مارسه في أكثر مراحل البلاد تعقيدا واضطرابا.
لقد ارتبط اسم مام جلال بمحطات مفصلية في تاريخ العراق الحديث، بدءا من نضاله المبكر دفاعا عن الحقوق القومية للشعب الكردي، مرورا بإسهامه في صياغة مشروع ديمقراطي عراقي يقوم على التعددية السياسية، وصولا إلى دوره المحوري في ترسيخ مبادئ الدستور العراقي بعد عام 2003. فقد كان من أبرز المدافعين عن بناء دولة تقوم على المواطنة، واستقلال القضاء، وفصل السلطات، وتكريس النظام الفيدرالي بوصفه إطارا دستوريا ضامنا لحقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها حقوق إقليم كردستان.
الأهمية الأعمق لشخصية مام جلال لا تكمن فقط في مواقفه السياسية أو إنجازاته الدستورية، بل في قدرته الاستثنائية على لعب دور الوسيط الجامع بين الأطراف المتنازعة. فالجميع على دراية بأنه، في ذروة لحظات الاحتقان الطائفي والسياسي، كان حضوره بمثابة عامل توازن، يسهم في تهدئة الأزمات ومنع انزلاق البلاد نحو صراعات داخلية مفتوحة. وقد مارس، بحق، دورا أبويا في إدارة الخلافات، مستندا إلى حنكته السياسية ورصيد من الثقة المتبادلة مع مختلف القوى العراقية، ما جعله أحد أبرز الضامنين لوحدة العراق الوطنية في مرحلة ما بعد التغيير.
ومن هنا، فإن إطلاق اسمه على مطار السليمانية الدولي يحمل رسالة وفاء لذاكرة نضالية حافلة، وتأكيد على نموذج سياسي يحتاجه العراق في حاضره ومستقبله. ولكن مع ذلك، فإن من المشروع طرح تساؤل وطني أوسع: ألم يكن من الأجدر أن يحمل مطار بغداد الدولي اسم جلال طالباني؟ فالشخصية التي وُصفت من قبل المرجعيات والسياسيين والمثقفين بأنها “صمام أمان العراق”، تستحق – بما قدمته للعراق كله – أن يرتبط اسمها بعاصمة البلاد، لا بمدينة واحدة. لأنه كان رئيسا يليق بالعراق، جامعا لا مفرقا، ورمزا يمكن أن يكون اسمه مصدر فخر لأي مؤسسة سيادية، سواء في بغداد أو في إقليم كردستان.
ومع ذلك، فإن تسمية مطار السليمانية باسمه تظل خطوة ذات قيمة كبيرة، تعكس تقديرا مستحقا، وتؤسس لثقافة تكريم الرموز الوطنية في الفضاء العام. فالمطار، بوصفه بوابة المدينة إلى العالم، لا يستقبل المسافرين فحسب، بل يقدم أيضا رواية عن هوية المكان وقيمه، وعن الشخصيات التي ساهمت في تشكيل ملامحه.
إن مطار جلال طالباني الدولي ليس مجرد اسم جديد على لافتة، بل هو عنوان لمرحلة، واختزال لمسيرة، ورسالة سياسية مفادها أن العراق، بكل تنوعه، قادر على إنتاج شخصيات جامعة تتجاوز الانقسامات، وتؤسس لمعنى الدولة بوصفها إطارا مشتركا للجميع.
وفي زمن تتكاثر فيه عوامل الانقسام، تبدو مثل هذه الرموز ضرورة وطنية، لا ترفا سياسيا؛ فالأمم التي تكرم شخصياتها الجامعة، إنما تعيد إنتاج قيمها، وتمنح ذاكرتها بعدا حيا في الحاضر، وتفتح في الوقت ذاته أفقا لمستقبل أكثر توازنا واستقرارا.
فألف تحية واعتزاز لروح مام جلال الطاهرة، ولمآثره الوطنية التي ستبقى حاضرة في وجدان العراقيين، وتحية تقدير لكل من ساهم في إنجاز هذه التسمية، وفي مقدمتهم مؤسسة الرئيس جلال طالباني، ومؤسسات الدولة العراقية الاتحادية التي خطت بهذه الخطوة لترسيخ ثقافة الوفاء لرموزها الجامعة.
ومبروك للسليمانية أيضا على هذا الاسم لمطارها الدولي وبوابتها على العالم.
⸻
المصادر:
• موسوعة المرصد: https://marsaddaily.com
• الموقع الرسمي للمرجع الديني السيد علي السيستاني: https://www.sistani.org
• مؤسسة الرئيس جلال طالباني: https://talabani.org

