هناء رياض
بينما تقترب مياه الخليج العربي من ملامسة أرصفة “ميناء الفاو الكبير” إيذاناً ببدء التشغيل التجاري الكامل خلال العام الجاري 2026، يجد العراق نفسه أمام معادلة معقدة تخلط بين طموح الاكتفاء الذاتي والريادة اللوجستية، وبين نيران الأزمات الأمنية التي تعيد رسم خارطة الممرات البحرية والبرية في المنطقة. هذا المشروع الذي لم يعد مجرد واجهة بحرية، بات اليوم يمثل “العمود الفقري” لرؤية العراق لما بعد النفط، خاصة مع اكتمال الأرصفة الخمسة والقناة الملاحية بعمقها التاريخي الذي يؤهله لاستقبال أضخم سفن الحاويات العالمية.

وبالانتقال من الجانب الإنشائي إلى البعد الجيوسياسي، تبرز الأزمة الأمنية الراهنة في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب كعامل دفع غير متوقع؛ فالتوترات التي تعيق الملاحة التقليدية منعت حركة التجارة العالمية من الالتزام بمساراتها المعتادة، مما جعل “طريق التنمية” المنطلق من الفاو يبدو كبديل استراتيجي لربط آسيا بأوروبا في زمن قياسي. ومع ذلك، فإن هذه الفرصة الذهبية تأتي محفوفة بالمخاطر، حيث يواجه العراق تحدي تأمين هذا الممر البري الطويل من البصرة إلى الحدود التركية ضد أي استهدافات محتملة أو تداعيات لصراعات إقليمية قد تتسع رقعتها لتشمل حوض الخليج العربي ومضيق هرمز.
وفي هذا السياق، لم تغب التحديات الأمنية المباشرة عن المشهد، إذ تصاعدت المخاوف مؤخراً من استهداف ناقلات النفط والمنشآت الحيوية في المنطقة، مما دفع المنظمة البحرية الدولية (IMO) لعقد اجتماعات طارئة ناقشت سلامة الملاحة. العراقيون من جانبهم، يدركون أن استمرار نجاح الميناء مرهون بقدرتهم على تحييد المنشآت الاقتصادية عن التجاذبات المسلحة، خاصة مع تصاعد الحوادث الأمنية في محيط المراكز السيادية واللوجستية، وهو ما يضع الأجهزة الأمنية العراقية أمام مسؤولية حماية “شريان الحياة الجديد” وضمان سلامة الطواقم والشركات العالمية المشغلة.



