ستران عبدالله

من يدري كيف قتلنا و كيف دفنا و نحن احياء ؟ من يتذكر ايام من المقاومة الوطنية تم فيه استخدام كل اساليب القمع و التعذيب ضدنا فيما كنا ملتزمين بكل قواعد النضال الاخلاقية و شرف الخصومة و لم ننجر الى أي شكل من اشكال العنف الدموي و الارهاب ضد الناس الامنيين العزل ممن هم من الضفة المقابلة من اطراف الصراع. كانت ايام قاسية و ظروف معوقة لكل اشكال التصدي النظيف للظلم و العدوان. شعب معزول لا يملك من ادوات الصد و الممانعة سوى حركة سياسية عادلة و ثورة منعزلة وقودها اصرار ابناء الشعب و تنظيماته المضحية بكل غال و نفيس من اجل وقفة مشرفة امام القمع والاضطهاد. نحن نتحدث عن سبعينات و اوائل الثمانينات من القرن الماضي حين كانت الدنيا منقسمة بين قطبين متنافضين احدهما يقود العالم الرأسمالي الليبرالي يتشابك فيه المصالح و فنون الاستقواء مع دول و انظمة رجعية ديدنها ارضاء الغرب على حساب مصالح شعوبها والاخر يقود العالم الاشتراكي الرسمي و انظمة المعسكر الشرقي و تتناغم مع دول و حركات تدعي التقدمية الوطنية بينما هي في ارض الواقع تحكم بالحديد و النار و تتنازعها كل اشكال الشوفينية و مصادرة حقوق القومية المرتبطة معها بالمصير و بالجغرافية الرسمية.
من يتذكر تلك الايام العصيبة التي مرت بشعبنا سوى بعض من الدراما الحنونة و الخجولة التي تقوم بنقل بعض من تلك الحقائق و ليس كلها. لان نقل العذابات كلها ربما ينقلب على الحقائق المطلقة و يرتد على أصحاب العذابات. أذ من يصدق أن الدنيا في بلادنا كانت رديئة الى هذه الدرجة و أن معذبوا الارض أنتقلوا من كتاب فرانس فانون و جزائره الحرة ألى حيث كردستان المحاصرة؟ و ربما لهذا السبب فأن الكاتبة و الباحثة أميرة محمد تعطينا تلك القصص المحزنة على دفعات و كتب أشبهه بقصاصات متفرقة من الألم و الأمل. الألم بما يحتويه من سرد محكم و موثق لحكايات القمع و ضروب المعاملة الوحشية و هدر الحقوق مقابل الأمل بالتصدي و المقاومة و التحلي بالصبر الثوري لغد لناظرة قريب.

و هنا أتصفح كتاب (صناديد سجن الموصل و الوثائق) و هو سلسلة من ضمن مشروع (هدايا الحرية) حيث يختلط دماء القصص الحقيقية بحبر الوثائق الداغنة. تقدم الكاتبة المثابرة أميرة محمد صور و معلومات مقتضبة عن صناديد الكرد في سجن الموصل حيث قاوموا الفاشية في أوج قوتها و عنفوان سياستها القمعية يعقب ذلك وثائق عن قرارات المحاكم الصورية لحكومة البعث حيث لا فرق بين مؤسسات الدولة و دهاليز مقرات الفرق و الشعب الحزبية لسلطة طاغية لا تفرق بين الشك و اليقين وتميل الى القتل الاحتياطي على حساب التدقيق في الاتهامات و التحقيقات الناقصة لاجهزة الامن و الاستخبارات المنتشرة على طول البلاد و عرضها. وكدت ان أقول أننا بحاجة الى ترجمة مثل تلكم الكتب الى اللغة العربية لكي يتعرف شركاء الوطن على عذابات الكرد و الجانب المظلم من حكومة شوفينية تحكم بأسم العرب و خصوصا القوميين منهم. ولكنني تذكرت أن المقابر الجماعية من جنوب العراق كشفت عن ترجمة ركيكة لسياسات القمع البعثية و أن الكل في الهم شرق و في التعرض لصنوف القمع عراقيون سواسية لا يفرق بيننا سوى مصالح الطامعين لبعض من رجال الطبقة الفاسدة التي تلجأ دائماَ الى الاستقطاب القومي و الطائفي ليس دفاعا عن الكرد و لا عن العراقيين بالاجماع، بل من اجل تجهيز مواد مسمومة للمطبخ السياسي الملعون و مصالح الفئة التي لا تعلم من عذابات الوطن شيئاَ سوى توظيفها لصالح المشاريع المشبوهة.


