*محمد شيخ عثمان
في واحدة من أكثر الحكايات بساطة وعمقا، يركض فأر صغير في مزرعة مذعورا، يصرخ: هناك فخ في البيت. لا يطلب النجدة لنفسه فقط، بل يدق ناقوس خطر يهدد الجميع. لكن الديك يبتسم بسخرية، والبقرة تهز رأسها بلا اكتراث: هذا لا يعنينا.
عاد الفأر إلى جحره مثقلا بالخوف، وفي الليل انطبق الفخ… لكن لم يقع فيه الفأر، بل علق به ثعبان.
وعندما اقتربت زوجة صاحب المزرعة لتتفقده، لدغها.
تدهورت حالتها، فذُبح الديك لإعداد حساء لها، ثم توافد الجيران، فذُبحت البقرة لإطعامهم.
أما الفأر، فقد بقي يراقب من بعيد… يرى كيف تحول خطر لم يبالِ به الآخرون إلى مصير طال الجميع.
لم يكن الفخ موجها إليهم، هكذا ظنوا ،لكن حين أُغلق، لم تكن النهاية للفأر وحده.
ما يحدث اليوم في منطقتنا يشبه تلك الحكاية إلى حد بعيد. الحروب تشتعل على حدودنا، التوترات تتصاعد، والخرائط تعاد صياغتها بصمت أو بضجيج السلاح، فيما يختار البعض الجلوس في منطقة “الراحة السياسية”، مطمئنين إلى أن علاقاتهم مع جميع الأطراف جيدة، وأن النار لن تصل إليهم، لكن التاريخ، مثل تلك الحكاية، لا يعترف بهذا النوع من الاطمئنان،فالحروب لا تبقى داخل حدودها، والصراعات لا تحترم الحياد السلبي، والأزمات لا تحتاج إذنا كي تعبر. كل فخ يُنصب في الجوار، هو احتمال مفتوح لأن يمتد أثره، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الجميع: اقتصاديا، أمنيا، اجتماعيا، وحتى وجوديا.
الاكتفاء بمراقبة المشهد، أو الاختباء خلف توازن العلاقات، لا يشكل استراتيجية، بل تأجيلا للمواجهة. والأسوأ من ذلك، أنه يمنح الآخرين حق رسم المصير نيابة عنا.
العبرة ليست في أن نكون طرفا في كل صراع، بل في ألا نكون غائبين عن فهمه وتأثيره و الحكمة ليست في الحياد الأعمى، بل في اليقظة الواعية، والاستعداد، وبناء موقف يستند إلى المصالح الحقيقية لا إلى وهم الأمان.
الفأر لم يكن يبالغ…
لكن الآخرين، حين لم يبالوا، دفعوا الثمن جميعا.

