بقلم: عباس عبدالرزاق

في اليوم العالمي للمسرح، حين تضجّ المسارح الكبرى بأضوائها والمنابر بخطاباتها، يجدر بنا أن نلتفت إلى مسارح أخرى لا خشبة لها ولا ستائر ولا صالات مكيّفة — مسارح اتخذت من فضاء الجبل أرضًا لها، ومن نار الثورة إضاءةً، ومن الجمهور المحاصر بالخوف والموت شاهدًا ومشاركًا في آنٍ واحد. تلك هي تجربة المسرح الجوّال الكردي في مناطق كردستان المحررة إبان الثمانينيات، وهي تجربة تستحق أن تُقرأ قراءةً فلسفيةً نقدية تضعها في سياقها الإنساني الأشمل.
أولًا: الفن والثورة — حوار أم تبعية؟
منذ الإغريق، طُرح السؤال الجوهري: هل الفن خادم للسياسة أم رائد لها؟ وقد تعاملت كثير من الحركات التحررية في التاريخ مع الفن بوصفه أداةً دعائيةً في خدمة الأيديولوجيا، مما أفضى في أحيان كثيرة إلى إفقار الفن وتحويله إلى مجرد بوق. بيد أن ما يكشفه نص عباس عبدالرزاق عن تجربة المسرح الكردي يطرح نموذجًا مغايرًا ومثيرًا للتأمل.
فالاتحاد الوطني الكردستاني لم ينظر إلى الفن بوصفه مرآةً للخطاب السياسي فحسب، بل آمن وهذا ما يُشير إليه النص بوضوح بأن العمل الثقافي التنويري هو شرط لازم لأي تغيير اجتماعي حقيقي. وهذا التمييز الدقيق يستحق الوقوف عنده، لأنه يكشف عن وعي بالفارق بين الفن الخادم والـفن الشريك. فالفنان هنا لم يكن يترجم مواقف القيادة السياسية إلى صور، بل كان ينتج وعيًا جمعيًا يسبق السياسة ويُغذّيها.
في هذا السياق، يحضر ما ذهب إليه أنطونيو غرامشي حين تحدث عن دور “المثقف العضوي” في حركات التحرر، ذلك المثقف الذي ينبثق من صميم الجماهير ولا يأتيها من فوق. فالممثل المسرحي الكردي الذي يؤدي دوره في ساحة قرية جبلية محاصرة بالثلج والرصاص ليس مثقفًا يُلقي دروسًا من على منبر، بل هو جزء لا يتجزأ من نسيج اللحظة الثورية، ولحمتها الإنسانية.
ثانيًا: المسرح الجوّال جماليات المكان والحدث
تكشف تجربة فرقة مسرح الشورش وفرقة مسرح كردستان عن فهم عميق للطبيعة الجوهرية للفن المسرحي في حالته الأصفى. فالمسرح في أصله قبل المباني والزخارف والإضاءة الاحترافية ، ليس سوى لقاء إنساني حيّ بين جسد الممثل وعين المتلقي في زمان ومكان مشتركين.
يذكر عبدالرزاق أن أول عرض جوّال أُقيم في مال إيموس عام 1980، وهو تاريخ بالغ الدلالة؛ فقد كانت حرب الخليج الأولى على الأبواب، وكانت الحملات الأمنية تشتدّ على المناطق الكردية. في هذا الفضاء المثقل بالخطر، اختار هؤلاء الفنانون أن يعلنوا وجودهم بالفن. وهذا ما يذكّرنا بما أكده برتولت بريشت من أن المسرح ليس هروبًا من الواقع بل انخراطًا فيه، بل قدرةً على جعل الجمهور يرى واقعه من زاوية لم يرَها من قبل.
ما يجعل هذا النموذج فريدًا فلسفيًا هو ما يمكن تسميته بـ*“جماليات الهشاشة”*: الاستغناء عن كل إمكانيات المسرح المادية قسرًا لا اختيارًا، مما أفضى على نحو مفارق إلى تكثيف الأثر الجمالي وتعميقه. فلا شيء يوقظ الوجدان كما يوقظه مشهدٌ بسيط يُقدَّم أمامك في العراء، في قرية تعرف أنها محاطة بالعدو من كل جانب. اللحظة المسرحية هنا تتطابق مع اللحظة الوجودية بلا فواصل.
ثالثًا: الفرقة الفنية — جماعة أم مؤسسة؟
يكشف النص عن بُعد اجتماعي وتنظيمي بالغ الأهمية: فرق المسرح لم تنبثق من مقررات حزبية هابطة من الأعلى فحسب، بل نشأت في حالات كثيرة من الأسفل. مجالس القرى المنتخبة من أهاليها شكّلت فرقها الخاصة؛ فرقة چەوساوەکان نبثقت من رحم الوحدة العسكرية الثالثة والتسعين، ومجالس قرى سرگەڵو وهلدن انتجت أعمالها الخاصة.
هذا اللامركزية الفنية تحمل في ثناياها إجابةً على سؤال فلسفي مزمن: من يملك الفن؟ في أكثر الأنظمة الثقافية رسوخًا، تتمركز إنتاج الفن في مؤسسات احترافية تحتكر تعريف ما هو جيد وما هو رديء. أما في هذه التجربة الكردية، فقد مارس الفلاح والمقاتل والمرأة في القرية الجبلية حقّ الفن فعلًا وإنتاجًا لا مجرد تلقٍّ سلبي. وهذا ما يُذكّرنا بما طرحه باولو فريري في سياق مختلف: التعليم والثقافة الحقيقيان لا ينطلقان من منطق “البنك” الذي يودع المعرفة في عقول المتلقين، بل من منطق الحوار والفعل المشترك.
وتبقى دلالة فرقة مسرح كردستان استثنائية بصورة خاصة؛ إذ أُسست عام 1986 دون دعم لجنة الجبل لاتحاد الفنانين، بل رغمًا عنها. وهذا يطرح سؤالًا نقديًا حول المؤسسة الثقافية حتى في سياقات التحرر: هل تتحول المؤسسة في أحيان إلى عائق أمام الإبداع حتى حين تدّعي رعايته؟ يبدو أن جواب هؤلاء الفنانين كان عمليًا لا نظريًا: لم يستأذنوا، بل فعلوا.
رابعًا: المسرح والذاكرة — ضد النسيان
ثمة بُعد آخر لا يصرّح به النص لكنه يسري في كل سطر منه: الفن المسرحي الجوّال كان أيضًا فعلًا ضد النسيان. في مرحلة كانت فيها آلة الإبادة العراقية تعمل على محو الوجود الكردي ليس فقط جسديًا بل ثقافيًا وتاريخيًا، كان المسرح في قرى الجبل يؤكد ببساطة مدوّية: نحن هنا، ولنا لغة، ولنا حكاية، ولنا وجه.
وهذا ما يمنح هذه التجربة بعدها الإنساني الأكثر عمقًا. فمسرحية (صادقي حمّال) التي قدّمها مجلس قرية سرگەڵو ليست مجرد ترفيه لمجتمع محاصر، بل هي إعلان هوية وجودي في وجه قوى تسعى إلى محوه. وهنا يتقاطع المسرح الكردي مع ما أسماه إيميه سيزير بـ”المقاومة الثقافية” حين كتب أن الاستعمار لا يُهزم دون أن تُستردّ الذاكرة والخيال والجمال.
خاتمة: درس اليوم العالمي للمسرح
في اليوم العالمي للمسرح، حين نحتفي بالفن المسرحي في قصوره ومهرجاناته الكبرى، تبقى تجربة المسرح الجوّال الكردي شاهدًا حيًا على أن المسرح في أعمق تجلياته ليس بناءً ولا ميزانيةً ولا نجومًا ولا جوائز — بل هو رغبة إنسانية جذرية في قول الحقيقة بصوت مرئي أمام آخرين يرون معك ويشهدون.
وما قدّمه عباس عبدالرزاق في نصه — وما عشته أنت شاهدًا ومشاركًا في هذا المضمار — هو أكثر من توثيق تاريخي. إنه فلسفة فعل، وعقيدة إبداع، وإجابة حية عن السؤال الذي يطرحه المسرح على نفسه في كل زمان: لماذا نمثّل؟ — لأن الإنسان حين يمثّل يقاوم الموت بأجمل أسلحته: الخيال والجسد والكلمة المنطوقة في حضرة إنسان آخر.










