(فرست عبدالرحمن مصطفى)
في اقليم كوردستان… حيث لا شيء يُدار بشكل كامل ولا شيء يُترك بشكل كامل، وُلد نموذج إداري جديد يمكن تسميته “الحضور الغائب”.
وزارة التعليم العالي قالت كلمتها بوضوح “عودوا إلى الجامعات” كأن المعرفة لم تُصاب بالذعر وكأن القاعات محصّنة ضد القلق. قرار حاسم يشبه إعلان بدء مسرحية… لكن نصف الممثلين لم يصلوا بعد.
أما وزارة التربية فاختارت أن تكتب نصاً مختلفاً تماماً. قالت للطلاب “أنتم أحرار احضروا أو لا تحضروا، املؤوا استمارة واتركوا الباقي على الله أو على الإنترنت”. الغياب ليس غياباً والحضور ليس حضورا وكل شيء معلق بين “نعم” و”لا” كأننا في درس فلسفة لا في يوم دراسي.
لكن وسط هذا المشهد العبثي يقف “المعلم” ذلك الكائن الذي لم يُستشر ولم يُعفَ ولم يُمنح حتى حق الحيرة. يُطلب منه أن يكون حاضراً وأن يشرح و يبتسم وأن يتصرف وكأن الأمور طبيعية… بينما كل شيء حوله يقول عكس ذلك.
المعلم الذي يُفترض أن يكون مصدر الأمان أصبح هو نفسه يبحث عنه.
فإذا وقع ما لا يُحمد عقباه “لا سمح الله” من سيكون المسؤول؟
هل هي الوزارة التي قالت “عودوا”؟
أم الوزارة التي قالت “أنتم أحرار”؟
أم ولي الأمر الذي وقّع إلكترونياً؟
أم الطالب الذي لم يأتِ أصلاً؟
أم المعلم… لأنه كان هناك في المكان الخطأ وفي الوقت الذي قرر فيه الجميع أن لا يقرروا؟
إنها تراجيديا القرار المنقسم… حيث تتوزع المسؤولية حتى تختفي وتُمنح الحرية حتى تتحول إلى عبء ويُترك الإنسان وحيدا في مواجهة “نظام” لا يعترف به كاملاً ولا يتخلى عنه كاملاً.
في اقليم كوردستان اليوم يبدو أن الخطر ليس في القرار بل في نصف القرار.
ليس في الغياب بل في الحضور الذي لا يحمي.
وليس في السؤال بل في غياب من يجرؤ على الإجابة.
حفظ الله كردستان…
من قرارات تُكتب بالحبر
لكن تُنفذ بالممحاة

