هناء رياض
يعود مشهد الشاشات ليتصدر واجهة العملية التعليمية في إقليم كردستان، في استنساخ قسري لتجربة حقبة “كورونا”، لكن الدوافع هذه المرة لم تكن فيروسية، بل هي مزيج معقد من التوترات الأمنية، الأزمات المالية، والاضطرابات السياسية. فبعد سلسلة من الانقطاعات الطويلة التي أفقدت الطلاب حقوقهم الدراسية الأساسية، وجد آلاف التلاميذ أنفسهم مجدداً بعيدين عن مقاعد الدراسة، وسط تساؤلات ملحة حول جدوى هذا النظام وقدرته على تعويض الفجوة المعرفية المتزايدة.
لقد عاش قطاع التعليم في الإقليم خلال الفترة الماضية حالة من الشلل شبه التام؛ فبين أزمة الرواتب التي دفعت الكوادر التدريسية للتظاهر والانقطاع، وبين العطل الرسمية المتكررة والمفاجئة، لم يكد الطلاب يستقرون في صفوفهم حتى باغتتهم الأوضاع الأمنية الأخيرة واستهدافات المنطقة، مما دفع السلطات التربوية لاتخاذ قرار “التعليم عن بُعد” كخيار طوارئ لحماية الأرواح وتسيير المناهج بالحد الأدنى. والمفارقة الصادمة تمثلت في عودة الطلاب لمقاعدهم يوماً واحداً فقط بعد شهر من التوقف، ليأتيهم قرار العطلة مجدداً يوم الاثنين كترجمة فعلية لعدم الاستقرار الذي بات يحكم المشهد التربوي.
هذا الواقع المتردي لم يقتصر على الإقليم وحده، بل امتد ليلقي بظلاله على العاصمة بغداد وبقية المحافظات، حيث تحولت “العطلة” من استثناء إلى قاعدة، سواء لأسباب جوية، أمنية، أو دينية، مما جعل العام الدراسي العراقي مجزأً ومفتقراً للوحدة الزمنية المطلوبة لإتمام المناهج. وتتجلى التبعات السلبية لهذا التحول في تراجع المستوى العلمي للطلبة، وفقدان مهارات التواصل الاجتماعي، واتساع الفجوة الطبقية بين من يمتلك أدوات التكنولوجيا والإنترنت المستقر وبين الأسر الفقيرة التي تكافح لتوفير لقمة العيش، ناهيك عن الإجهاد النفسي الذي يعانيه أولياء الأمور وهم يحاولون لعب دور المعلم في بيئة غير مهيأة تقنياً.
إن الاستمرار في نهج الحلول الترقيعية يهدد جيلًا كاملًا بفقدان الثقة في المؤسسة التعليمية، فالمستقبل يبدو غامضاً إذا ما ظلت العملية التربوية رهينة لتقلبات السياسة والأمن. ويتطلب المضي قدماً وضع استراتيجية وطنية شاملة تفصل المسار التعليمي عن الصراعات، وتعمل على تهيئة بنية تحتية رقمية حقيقية وليست مجرد “بديل مؤقت”، مع ضرورة ضمان حقوق المعلمين المالية لضمان عودتهم للشغف التعليمي، وبخلاف ذلك، سيظل التعليم الإلكتروني في العراق مجرد وسيلة لـ “تمرير الوقت” لا لبناء العقول، مما ينذر بكارثة علمية قد تمتد آثارها لعقود قادمة.