كتابة : د. إسماعيل نجم الدين زنكنة
ترجمة: نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
بعد عام 2003، تأسس نظام سياسي جديد في العراق قائم على الديمقراطية البرلمانية، وفي إطار هذا النظام، أصبحت مكانة رئيس مجلس الوزراء (كما هو معروف) أعلى وأهم عناصر السلطة التنفيذية في البلاد، بحيث لا تُعد هذه المكانة مجرد فرع من السلطة التنفيذية، بل تُعتبر ركيزة أساسية في العملية الديمقراطية وصياغة السياسات العامة.
وقد حدد دستور العراق لعام 2005 إطار صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، حيث تنص المادة 76 على أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة، وعلى المرشح المكلف أن يقدم تشكيلته الوزارية خلال 30 يوماً إلى مجلس النواب لنيل الثقة، وبهذا الشكل يصل الشخص المكلف إلى هذا المنصب، الذي يُعد أعلى منصب تنفيذي من الناحية الدستورية والسياسية.
وفي هذا المقال، نسلّط الضوء على هذا المنصب الدستوري من خلال عدة نقاط:
أولاً: المكانة الدستورية لرئيس مجلس الوزراء
كما ذُكر، فإن رئيس مجلس الوزراء يصل إلى منصبه وفق آلية محددة، ويمنحه الدستور (في المادة 78) الصلاحيات التالية ( هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، ويتولى إدارة مجلس الوزراء، ورئاسة اجتماعاته، وله صلاحية إقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب )وبناءً على هذا التعريف، يمكن الإشارة إلى أهم صلاحياته:
-
1. القائد العام للقوات المسلحة: رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة العراقية، مما يمنحه ثِقلاً كبيراً ويجعله المسؤول الأول عن الأمن الداخلي.
-
2. المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للدولة: يتولى تنفيذ السياسة العامة وخاصة في مجالات مثل الاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والتعليم، والصحة، والطاقة وغيرها، كما يقوم بتعيين الوزراء والإشراف على أعمالهم ومساءلتهم.
ويجدر التذكير بأن النظام السياسي في العراق قائم على مبدأ فصل السلطات إلى ثلاثة فروع:
-
السلطة التشريعية: البرلمان العراقي (مجلس النواب )والمجلس الاتحادي الذي لم يُنشأ بعد.
-
السلطة التنفيذية: وتتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.
-
السلطة القضائية: ممثلة بمجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا.
وفي هذا التقسيم، لم يتم توضيح موقع رئيس مجلس الوزراء بشكل صريح ضمن السلطة التنفيذية، رغم كونه جوهرها في النظام البرلماني، حيث تُقسم السلطة التنفيذية كما يعتقد البعض إلى:
رئيس الدولة (رئيس الجمهورية) ومجلس الوزراء (الحكومة)ويتمتع مجلس الوزراء بصلاحيات مستقلة عن رئيس الجمهورية، وأعضاؤه متساوون من حيث المبدأ، رغم وجود رئيس لهم يمتلك صلاحيات تنظيمية. هذا الرئيس يختار الوزراء، ويعرضهم على البرلمان، ويتحدث باسم المجلس، ويرأسه، ويُعرف بأحد التسميات: رئيس الوزراء، أو رئيس الحكومة، أو الوزير الأول.
ومع ذلك، فإن الدستور العراقي أشار إلى رئيس مجلس الوزراء في العديد من المواد (حوالي 32 مرة)، منفصلاً عن مجلس الوزراء، مما يدل على منحه صلاحيات إضافية، منها :
-
طلب عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب.
* طلب تمديد الفصل التشريعي.
* توجيه الأسئلة من قبل أعضاء البرلمان.
* تحديد موعد مناقشة موضوع معين.
-
استجواب رئيس الوزراء.
-
طلب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.
-
إعلان حالة الحرب أو الطوارئ بالاشتراك مع رئيس الجمهورية.
* وتمتد سلطاته في مثل هذه الحالات.
ثانياً: المكانة في إطار النظام الفيدرالي يُعد العراق دولة فيدرالية حسب المادة (1) من الدستورلعام 2005، وهذا يثير تساؤلاً حول علاقة رئيس مجلس الوزراء الفيدرالي بالأقاليم، خاصة إقليم كوردستان بحسب الدستور، تتمتع الأقاليم بصلاحيات سياسية وإدارية خاصة، وتمارسها من خلال حكوماتها المحلية، ولكل إقليم رئيس وزراء ووزراء. لكن هذا لا يعني أن رئيس مجلس الوزراء الفيدرالي لا دور له في شؤون الأقاليم، بل له دور مهم في القضايا الاستراتيجية مثل: العلاقات الخارجية، السياسة المالية، الأمن والدفاع، حيث تبقى هذه الصلاحيات ضمن الحكومة الاتحادية وفق المادة 110 من الدستور.
ثالثاً: التحديات التي تواجه رئيس مجلس الوزراء
رغم المكانة الدستورية المهمة، إلا أن الواقع العملي لا يعكس هذا الدور بالكامل، بسبب عدة تحديات، منها:
-
نظام المحاصصة الطائفية والقومية: حيث يتم توزيع المناصب العليا على أساس الانتماء، مما يقيّد استقلال رئيس الوزراء في اختيار فريقه الوزاري، ويؤدي إلى تعقيدات سياسية.
-
التحديات الاقتصادية والمالية: تتعلق بإدارة الموارد، وتنويع مصادر الدخل، وضمان العدالة في توزيع الثروات.
-
التحديات الأمنية: وجود جماعات مسلحة متعددة خارج سيطرة الدولة الكاملة، بعضها يمتلك أجندات سياسية مختلفة.
رابعاً: الخلاصة
* حدد دستور 2005 موقع رئيس مجلس الوزراء بشكل واضح ومنحه صلاحيات واسعة، منها إدارة الحكومة، ووضع السياسات العامة، وقيادة القوات المسلحة، لكن تطبيق هذه الصلاحيات يبقى محدوداً عملياً.
-
يعد نظام المحاصصة أحد أبرز المعوقات التي تؤثر على استقلالية ودور رئيس الوزراء.
-
يواجه رئيس الوزراء تحديات كبيرة في إدارة الحكومة بسبب الانقسامات السياسية داخل البرلمان
. • كما أن التأثيرات الخارجية (خاصة من القوى الإقليمية والدولية) تجعل مهمة تحقيق التوازن السياسي أكثر صعوبة.
المصادر:
-
دستور جمهورية العراق لسنة 2005
-
د. منذر الشاوي، فلسفة الدولة،دار ورد ودار الذاكرة للنشر والتوزيع ط1 2012.

