عدنان المفتي
قبل يومين فقط، اتصل بي..
كان صوته هادئاً، ومزاجه جيداً، رغم قلقه من مجريات الحرب الدائرة منذ شهر، والقصف الذي يحيط بنا.
حدثني عن شقيقته سميعة التي تعيش في السليمانية، وعن مرضها والعملية التي أجرتها، وقال إنه يفكر في زيارتها. كان يدرك صعوبة الطريق، لكنه كان مستعداً أن يسلكه نحو مشفاها، براً عبر الأردن، مروراً ببغداد، رغم وضعه الصحي.
حاولت أن أُثنيه قليلاً، فقلت له: انتظر أياماً، لعل هذه الحرب تهدأ.
تبادلنا الحديث كعادتنا… حديث أصدقاء يعرف كلٌ منهما ما في قلب الآخر دون كثير شرح.
لم يكن في صوته ما يوحي بأنه يودّع.
بعد يومين…
رنّ الهاتف.
ظهر اسمه على الشاشة.
أجبتُه فوراً، وقلت بالكردية: صباح الخير عزيزي، كيف حالك؟
لكن الصوت الذي جاءني لم يكن صوته.
“أنا دانا، عمو…”
صمتٌ قصير، ثم جاءت الكلمات التي لا تُحتمل:
“عندي لك خبر سيء… والدي توفي الآن.”
لم تسعفني الكلمات في تلك اللحظة… خيّم الصمت، ثم لم أجد سوى أن أردد:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
وبنفس الحالة التي كنت فيها، تحدثت مع زوجته الويلزية دايان، رفيقة دربه، التي رافقته وساندته بحبٍ وتفهمٍ لكل الصعوبات التي واجهته طوال حياته.
هكذا، وفي غفلة، يغيّب الموت صديقاً عزيزاً، ويختصر حياةً كاملة في لحظة.
ونبقى نحن في حزنٍ وذهول…
لكن سيرة الراحل تبقى، شاهدة على ما كان عليه من صبرٍ وكفاح، ومكانةٍ رفيعة في قلوب كل من عرفه.
ينتمي فقيدنا إلى عائلةٍ مناضلة، عرفت طريقها مبكراً في مواجهة الظلم، ودفعت أثماناً باهظة من الملاحقة والتشريد والتهجير، شأنها شأن كثير من العوائل الكوردية الفيلية. وكان هو امتداداً أصيلاً لهذا النهج، في حياته ومواقفه.
ورغم انشغاله بالدراسة الطبية وتفوقه العلمي، لم ينقطع يوماً عن دوره في العمل الوطني.
فقد عانى من الاعتقال عام 1963، حيث تعرّض للتعذيب على يد ناظم كزار، وترك ذلك أثراً في جسده لم يفارقه حتى آخر أيامه.
ومع ذلك، شقّ طريقه بعزيمة نادرة، فواصل دراسته حتى تخرّج من جامعة بغداد، ثم مضى أبعد في طموحه العلمي، لينال شهادة الدكتوراه في الطب البيطري من إنكلترا.
لم يكن علمه حبيس الكتب، بل حمله رسالةً أينما ذهب.
عمل أستاذاً في جامعة طرابلس، ثم التحق بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، حيث أسهم لسنوات في مجالات اختصاصه، ولا سيما في الأمن الغذائي، متنقلاً بين أكثر من بلد.
وكانت له محطة مهمة في القاهرة، حيث صادف أنني كنت هناك ممثلاً للاتحاد الوطني الكوردستاني، فكان نعم الأخ والصديق؛ يدعمني ويسهّل عملي بعلاقاته الواسعة مع الأوساط والفعاليات المصرية والعربية.
ومع بداية هذا القرن، عاد إلى كوردستان حاملاً خبرته، على رأس وفد من منظمة الفاو لمكافحة مرض إنفلونزا الطيور، في وقتٍ كانت فيه المنطقة بأمسّ الحاجة إلى خبرات علمية رصينة.
وفي عام 2009، عُيّن مستشاراً لرئيس وزراء إقليم كردستان لشؤون الأمن الغذائي، فكان صوتاً للعلم والخبرة في خدمة الناس.
ومع كل ذلك، ظل قريباً من قضايا شعبه، حاضراً بيننا، وفي تواصلٍ دائم مع رفاقه في الحركة الكوردستانية.
وهو أيضاً شقيق الراحل العزيز عادل مراد، القيادي البارز وصديق العمر.
لقد جمعتنا بهما مسيرة طويلة، امتدت لأكثر من خمسين عاماً، لم تفسدها اختلافات، إن وجدت، بل بقيت قائمة على الودّ والأخوّة. تقاسمنا فيها الصعاب، واحتفلنا معاً بما تحقق من إنجازات.
هذه العلاقة، ومع عشرات الأصدقاء والرفاق الذين نفتقدهم اليوم، تجعلني أعيش في حزنٍ عميق… دون أن أفقد الأمل بغدٍ أفضل لشعبٍ يستحق الحياة بحرية وكرامة.
أحمل هذا الأمل معي، كما أحمل الأسى…
وكأنّي أردد ما قاله الجواهري:
أنا عندي من الأسى جبلٌ يتمشّى معي… وينتقل
أنا عندي وإن خبا أملٌ جذوةٌ في الفؤاد تشتعل

