تمر اليوم ذكرى مفصلية في تاريخ العراق الحديث، حين انتخب جلال طالباني رئيساً لجمهورية العراق عام 2005، في لحظة لم تكن مجرد انتقال دستوري للسلطة، بل إعلاناً عن ولادة مرحلة جديدة سعى فيها العراقيون إلى إعادة رسم ملامح دولتهم بعد عقود طويلة من الاضطراب السياسي والصراعات والحروب التي أنهكت مؤسسات الدولة وأثقلت كاهل المجتمع.
ذلك الانتخاب، الذي جاء في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدها العراق بعد عام 2003، لم يكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل حمل دلالات سياسية وتاريخية عميقة، بوصفه أول اختيار لرئيس الجمهورية عبر آليات ديمقراطية حديثة، في سابقة وضعت حجر الأساس لمسار سياسي جديد قائم على التعددية والتداول السلمي للسلطة، والتوافق بين مختلف المكونات الوطنية.
وقد مثّل انتخاب جلال طالباني، وهو أحد أبرز القادة السياسيين في تاريخ العراق المعاصر، خطوة مهمة نحو ترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية، لما يتمتع به من رصيد نضالي طويل وخبرة سياسية واسعة، مكنته من التعامل مع تعقيدات المشهد العراقي بحكمة ومرونة. فقد كان حاضراً في مفاصل عديدة من تاريخ البلاد، وأسهم بدور فاعل في صياغة ملامح المرحلة الجديدة، مستنداً إلى نهج الحوار والانفتاح.
وفي خطاباته ومواقفه، شدّد جلال طالباني على أهمية بناء دولة المؤسسات، واحترام الدستور، وتعزيز سيادة القانون، مؤكداً أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ضمان حقوق جميع مكوّناته دون تمييز، وترسيخ ثقافة التعايش السلمي. وكان يؤمن بأن الديمقراطية ليست مجرد عملية انتخابية، بل منظومة متكاملة تقوم على الوعي المجتمعي والمسؤولية المشتركة بين الدولة والمواطن.
ورغم التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي رافقت تلك المرحلة، من تصاعد أعمال العنف والانقسامات الداخلية، ظل حضور جلال طالباني عاملاً مهماً في تهدئة الأزمات وتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية المختلفة، حيث لعب دور الوسيط في العديد من المحطات الحساسة، وساهم في تعزيز لغة الحوار بديلاً عن التصعيد، مما أكسبه احتراماً واسعاً على المستويين الداخلي والخارجي.
كما حمل انتخابه رسالة رمزية مهمة، عكست إمكانية بناء دولة قائمة على التعددية القومية والدينية، حيث مثل وصوله إلى رئاسة الجمهورية تأكيداً على مبدأ الشراكة الوطنية، ورفض الإقصاء والتفرد، في بلد يتميز بتنوعه الثقافي والاجتماعي. وقد شكل ذلك أملاً لدى الكثير من العراقيين بإمكانية تجاوز إرث الماضي وبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، أسهمت شخصية جلال طالباني وعلاقاته الواسعة في تعزيز حضور العراق في محيطه، وإعادة بناء جسور التواصل مع العديد من الدول، في وقت كان فيه العراق يسعى لاستعادة دوره ومكانته بعد سنوات من العزلة.
تبقى ذكرى انتخاب جلال طالباني محطة مضيئة في سجل التحولات السياسية في العراق، ورمزاً لمرحلة حملت الكثير من الطموح والتحديات في آنٍ واحد. وهي مناسبة لا تستحضر الماضي فحسب، بل تفتح الباب أيضاً أمام مراجعة التجربة السياسية بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، واستلهام الدروس لبناء مستقبل أكثر استقراراً، يحقق تطلعات الشعب العراقي في دولة عادلة، قوية، تحفظ الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية.