كتابة : عماد أحمد
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في البدء لم تكن هناك كلمات، بل كان هناك نَفَسٌ بلا اسمٍ يتردد في الفراغ، هناك، في تلك اللحظة من “اللاوجود”، كنا أنا وأنت، كوميضين غريبين في حضن ظلمةٍ واحدة، أو كحلمين ينتظران اللقاء في عينٍ واحدة.
حين أقول (أنا وأنت)، لا أقصد مجرد صيغة لغوية، بل رحلة البحث عن تلك العلاقة الخفية التي تربط “الذات” بـ“الجوهر”.
أنا، الذي أعيش دائمًا في حوارٍ مستمر مع نفسي، أدرك أنك لست مجرد شخصٍ خارجي، بل أنت المرآة التي ترى روحي نفسها فيها،وكما يقول أدونيس: “الإنسان يعيش مع ظله، لكنه يجد نفسه في خيالك”.
في الفلسفة القديمة، كان أفلاطون يرى أننا لا نرى سوى ظلال الحقائق، لكنني هنا، في عمق الحياة، أجد نفسي منسجمًا مع نيتشه: (لسنا مجرد ظلال، بل نحن صُنّاع حقيقتنا)، أنا وأنت لا نُكتشف فقط، بل نُعيد خلق بعضنا في كل لحظة صمت.
حين تخفت ضوضاء العالم، وتعتلي كل الأشياء منصة الصمت، لا يبقى سوى الروح؛ روحٌ كطائرٍ جبلي يتجاوز الحدود، ويحلّق بين أشجار البلوط المتمردة والينابيع الصافية، هناك، يتوقف الكلام ويبدأ “الوجود”.
أحيانًا، تحلّق روحي نحو خانقين، لا كمكانٍ جغرافي، بل كـ”فضاءٍ للذاكرة”، أعود إلى ظل تلك البساتين التي نامت فيها طفولتي،هناك ليس هدير نهر “ئەڵوەن” مجرد صوت ماء، بل سيمفونية أزلية تهدئ روحي، رائحة التراب وحلاوة التمر ليست مجرد إحساس، بل هوية تسري في دمي، صحيح أنهم يقولون: (من التراب جاء وإلى التراب يعود)، لكنني أقول: “من جاء من الحلم، لا يحتويه أي تراب، بل يظل ساكنًا في القلب”.
الوطن بالنسبة لي ليس مجرد خريطة، بل ذلك الشعور الحر الذي يقودني في أحلامي إلى لقاء رفاقي في تنظيمات “النسر الأحمر”،هناك أفهم أن الحرية ليست كلمة في القواميس، بل تجربة حمراء مليئة بالمخاطر بين الحياة والموت.
في النهاية، أنا وأنت لسنا إجابة ولا نهاية، نحن كقصيدةٍ نثرلا تنتهي، سؤالٌ مفتوح، كلما أُعيدت قراءته منح الكون معنىً ولونًا جديدين، نحن في حالة دائمة من إعادة كتابة الحياة.
وحين تضيع الكلمات، وتسقط اللغة كزهرةٍ ذابلة، لا يبقى إلا القلب؛ قلبٌ يخاطب قلبًا، لأن ما في القلب لا يُقال. فـ “الوجد” (الفناء في العشق الإلهي) ليس صوتًا ولا كلمة، بل سرٌّ قائمٌ بين صمتين.